وإن اعتبرنا عامتين ، وأريد بهما ما هو أوسع من الاعتدالين ، كما هو المفهوم منهما عرفا كانتا موافقتين للأولى تارة ، ومخالفتين بها أخرى .
بل ربما أمكن مخالفتهما لها أضعاف ما يقتضيه حالة الاعتدال ، بأن يجعل آخر جزء من المغرب إلى جهة الجنوب على يمينه ، وجزء من المشرق إلى جهة الشّمال على يساره ، وهذا غير مراد قطعا ، ولا صحيح في نفسه ، لأنّه أبلغ في التّشريق من قبلة الشّام ، ومصر ، وغيرهما من البلاد الغربيّة ، وهو غير جائز .
قال الشّارح عليه الرّحمة : فإذا اعتبر كون الجدىّ خلف المنكب الأيمن ، لزم الانحراف بالوجه من نقطة الجنوب نحو المغرب كثيرا .
أقول : المقصود من هذا الكلام أنّ بين العلامة الأولى لأهل العراق ، وعلاماتهم الباقية تدافعا ، كما عرفت آنفا ، فإنّ الأولى تقتضى انحرافهم عن نقطة الجنوب إلى صوب المغرب ، والعلامات الثّلاثة الآخر تقتضى استقبالهم نقطة الجنوب .
ولذا جماعة من متأخّرى علمائنا قدّس اللّه أرواحهم كشيخنا المحقّق الشّيخ على أعلى اللّه مقامه : قسّموا العراق ثلاثة أقسام ، وجعلوا العلامة الأولى لأواسط العراق ، كبغداد ، والعلامات الباقية لأطرافه الغربيّة ، كالموصل .
أمّا أطرافه الشّرقيّة ، كالبصرة فتحتاج إلى زيادة تغريب ، فلذا حكموا بأنّ علامتها جعل الجدىّ على الخدّ الأيمن ، وهذا التّقسيم هو الموافق لقواعد الهيئة ، فإنّ طول بغداد على ما ذكره سلطان المحقّقين الخواجة نصير الحقّ ، والملّة ، والدّين قدّس اللّه نفسه : يزيد على طول مكّة شرّفها اللّه تعالى بثلاث درج ، فقبلتها منحرفة يسيرا عن نقطة الجنوب إلى المغرب ، لا محالة .
والموصل يساوى طوله طول مكّة ، ففي قبلتها نقطة الجنوب ، لاتّحاد دائرة نصف نهارهما .
[ البصرة ]
وأمّا البصرة : فتزيد طولها على طول مكّة سبع درج ، ففي قبلتها زيادة