قطعا إلى بلاد الشّام ، وصار رملا دقيقا ، وصار بعد ذلك بحرا عظيما ، وكان ذلك البحر بحر : نىّ ، ثمّ جفّ بعد ذلك .
فقيل : نىّ جفّ ، فخفّف ، فسمّاه النّاس بعد ذلك بنجف ، لأنّه كان أخفّ على ألسنتهم .
والغرىّ أيضا أرض النّجف الأشرف على مشرفها آلاف ثناء ، وتحف ، والغرىّ ، كغنىّ لغة بمعنى الحسن ، يقال : رجل وشيء غرىّ ، أي : حسن ، وبناء ورسم غرىّ ، أي حسن ، والمسموع فيه الغريّان ، لكنّه كنّى عن التّثنية بالوحدة ، وقد لهج النّاس بالغرىّ مفردا ، وذلك طلبا للخفّة .
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد :
يا برق إن جئت الغريّ فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع
وقال الجوهرىّ : الغريّان ، بناءان طويلان مشهوران بالكوفة ، يقال :
إنّهما قبرا : مالك ، وعقيل ، نديمى جذيمة الأبرش ، وسمّيا غريّين ، لأنّ النّعمان بن المنذر كان يغريّهما بدم من يقتله في يوم بؤسه .
وقيل : كان اسم أحدهما : جبلة بن نضلة الفقعسي ، والآخر عمرو بن مسعود ، وكانا نديمين للنّعمان ، وإنّهما سكرا ليلة ، فراجعا النّعمان في كلام ، فأمر بقتلهما فلمّا صحا سئل عنهما ، فأخبر بما جرى ، فركب حتّى انتهى إليهما ، وجزع لأجلهما ، ثمّ أمر فبنى عليهما بناءان ، وجعل لهما في السّنة يومين ، يوم بؤس ، يقتل فيه : من لاقاه كائنا من كان ، ويغرىّ بدمه البنائين .
ويوم نعم يهب فيه لأوّل من يلقاه خلعة ، وفرسا وجارية ، ومأئة من الإبل ، ويقعد ، ويبسط بين الغريّين في ذلك اليوم ، ويأمر بالأطعمة ، وكان يفعل ذلك بغير أهل الحيرة ، لكن بمن يطرء عليه حتّى لو عرضت الوحوش لأدركها الخيل ، أو الطّيور لأرسلت الجوارح حتّى تدركها ، ويغرىّ بدمها الغريّين .