السبب المذكور في الفرض « 1 » توجب إلزاماً على المدّعَى عليه ، وهو القيام بوظائف النقل ، فتأمّل .
ثمّ إنّ ما ذكرنا من عدم اشتراط مطابقة البينة للدعوى في سماعها بل إنّما الشرط فيه الانتفاع بها ولو في إبطال قول الخصم ، يستفاد من كلام جماعة من الأعلام ، منهم العلّامة قدس سره في القواعد حيث قال في آخر باب القضاء منه ما هذا لفظه :
« ولو شهد أحدهما أنّ له عليه ألفاً ، وشهد الآخر أنّه قضاه ألفاً لم يثبت الألف ، لأنّ شاهد القضاء لم يشهد عليه بألف وإنّما تضمّنت شهادته أنّها كانت عليه ، والشهادة لا تقبل إلّا صريحة » « 2 » انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه . وهو ظاهر في أنّ القادح في السماع ليس إلّا عدم الصراحة . وحكي عنه في التحرير « 3 » الحكم بعدم ثبوت الألف في الفرض المزبور مستنداً إلى تكذيب الشاهد بالقضاء لدعوى المدّعي . وهو كما ترى ظاهر أيضاً في أنّ القادح ليس إلّا المنافاة والتكاذب بين الشهادة والدعوى .
وبالجملة ، الفرق بين المقامين ممّا لا يكاد أنْ يخفى على جاهل فضلًا عن عالم ، ولهذا تراهم يفرّقون في سماع الدعوى بين أن يدّعي المدّعي أنّ هذه الثمرة من شجرتي ، وأنْ يدّعي أنّ هذا الغزل من قطني ، وأنّ هذا الطحين من حنطتي ؛ فيحكمون بعدم سماع الدعوى في المثال الأوّل إلّا بضميمة ما يدلّ على دعوى ملكية الثمرة ، كقوله : ( هذه الثمرة من شجرتي وملكي ) ونحوه . ويحكمون بسماعها في المثالين الأخيرين من حيث رجوعها إلى دعوى سبب الملك ، فإنّ تملّك الحنطة مقتضٍ لتملّك الطحين أيضاً ، وإن تأمّل بعض في الفرق بين الأمثلة ، حيث إنّ تملّك الشجرة أيضاً مقتض لتملّك الثمرة .
هامش
( 1 ) الفرضين ، خ ل .
( 2 ) قواعد الأحكام : 3 / 492 .
( 3 ) راجع تحرير الأحكام : 2 / 199 .