تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب القضاء ( ط . ج ) — صفحة 915

مساهمون:

ص٩١٥
لأنّا نقول : قد عرفت سابقاً أنّ بيّنة المنكر كيمينه ليست من المستخرجات بها وإنّما هي تدفع مزاحمة المدّعي ، وترفع دعواه . ومنها : ما ورد في جملة من الروايات من أنّ طريقة النبي صلى الله عليه وآله إذا ترافع إليه خصمان كانت على سؤال البيّنة من المدّعي ، فإن كان له بيّنة أنفذ الحكم بها وإلّا فيطلب اليمين من المدّعَى عليه بعد استحلاف المدّعي . ووجه دلالته على المدّعَى واضح ، فإنّه لو كانت بيّنة المنكر أيضاً حجّة في مقابل بيّنة المدّعي لم يكن وجه لإنفاذ الحكم بها مطلقاً ، وإن قال المدّعَى عليه : ( إنّ لي بيّنة أيضاً ) . لا يقال : إنّ الرواية من مقولة حكايات الأحوال ومن المعلوم أنّه إذا تطرّق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقطت عن قابليّة الاستدلال ، إذ لا عموم لها في المقال . وبعبارة أخرى : قضاء النبي صلى الله عليه وآله في واقعة على النحو المذكور قضيّة في واقعة لا ظهور لها في المدّعَى ، إذ الفعل أمر مشتبه قابل للوقوع على وجوه كثيرة وجهات متعدّدة ، فلعلّ كان حكم النبي صلى الله عليه وآله فيها بالنهج المذكور من جهة عدم وجود البيّنة فيها للمدّعَى عليه ، فحكاية هذا الفعل ممّا لا يجدي في شيء . لأنّا نقول : ما قرع سمعك من أنّ حكايات الأحوال ونقل الأفعال ممّا لا ظهور لها حتّى يصلح للاتّكال ممّا لا دخل له بالمقام ، أمّا أوّلًا : فلأنّ الرواية ليست من مجرّد نقل الفعل ، بل هي إخبار عن طريقة النبي صلى الله عليه وآله المستمرّة في فصله بين النّاس ، ومن المعلوم أنّ له ظهوراً كظهور الأقوال . والقول بأنّها لعلّ كانت من جهة عدم وجود البيّنة للمدّعَى عليه إنّما يصحّ إذا كانت في واقعة أو وقائع خاصة ، لا فيما دام العمر . وأمّا ثانياً : فلأنّه فيما إذا لم تكن الحكاية على جهة الاستدلال ، وأمّا إذا كانت عليها حسبما هو في الرواية فتنزل منزلة العموم في المقال لتصير بمنزلة الكبرى