ثانيها : أنّه بعد القول بجواز العمل بالبيّنة بالنسبة إلى الإلزام الواقعي كالإقرار ، فلو تعارضت مع حكم الحاكم فهل يؤخذ بها أو بالحكم ؟
مثلًا لو قامت البيّنة العادلة قبل تحرير الدعوى أو بعدها مع موت البيّنة قبل حكم الحاكم على كون الحقّ للمدّعي ؛ ثمّ حكم الحاكم بمقتضى يمين المنكر على كونه له فهل يجوز أخذ المال واقعاً عن المنكر واعطاؤه المدّعي عملًا بمقتضى البينة ، أو لا يجوز عملًا بمقتضى الحكم ؟ وجهان ، من عموم أدلّة البيّنة . ومن ورود حكم الحاكم على جميع الأمارات حتّى البينة . ظاهر الأصحاب هو الثاني وهو الحق .
ثالثها : أنّ ما ذكرنا كلّه في البيّنة والإقرار من جواز الإلزام الواقعي بالنسبة إليهما ، أو عدمه كذلك ،
أو التفصيل بينهما حسبما عرفت ، إنّما هو في الشبهات الموضوعية الّتي هي مورد إعمال البينة والإقرار . وأمّا الشبهات الحكميّة فهل يجوز للمدّعي أو الثالث أن يعمل بمقتضى تكليفه من اجتهاد أو تقليد قبل حكم الحاكم وإن استتبع فصلًا للدعوى بحسب الواقع ، فيصير كالإقرار ، أو لا يجوز ذلك إلّا بعد حكم الحاكم ، فيصير كالبيّنة في الموضوعات ، أو يفصل بين ما كان مقتضى تكليف المنكر على طبق تكليفهما ، أو لم يكن له تكليف ظاهري أصلًا بأن لا يكون مقلّداً ولا مجتهداً ، وبين غيرهما ، فيجوز في الأوّل دون الثاني ؟ وجوه : من أنّ كلّ شخص مكلّف بما يؤدّي إليه نظره ما لم يحكم الحاكم على خلافه فيعمل به وإن استتبع إلزاماً بحسب الواقع على الغير . ومن أنّه لا دليل على جواز إلزام الغير بمقتضى تكليف النفس ، غاية الأمر جواز العمل عليه بالنسبة إلى الآثار الغير المستتبعة لإلزام الغير . ومن أنّ عدم جواز إلزام الغير إنّما هو فيما إذا كان مقتضى تكليفه خلاف ما اقتضاه تكليف الغير وأمّا لا مع ذلك فلا دليل على منعه . أقواها ثانيها على ما ذكره الأستاد من عدم جواز الفصل مطلقاً بالطرق الشرعيّة لغير الحاكم غير الإقرار .
ثمّ إنّه لو قلنا بعدم الجواز مطلقاً لا بدّ من القول بالجواز فيما إذا كان مقتضى