شرح
عالما بفساد ذلك ، أمّا مع اعترافهما بالجهل فلا وجه للحمل على الصحّة . وفي الثاني بأنّ كلّا منهما مدع وصفا ينكره الآخر ، فتقديم أحدهما يحتاج إلى دليل « 1 » . وفيه :
1 - أنّ أصل الصحة في العقد ونحوه لا يعتبر فيه العلم ؛ لإطلاق دليله ، نعم أصل عدم وقوع المعصية من المسلم يعتبر فيه العلم ، وهو غير أصل الصحة التي هي بمعنى ترتّب الأثر كما هو واضح .
2 - وأنّ مدّعي الفساد المعترف بحصول جميع أركان العقد المحمول إقراره على الصحة يدّعي وقوع العقد حال الإحرام ، والآخر ينكره وإن كان يلزمه كونه واقعا حال الإحلال ، ولا ريب في أنّ الأصل عدم مقارنة العقد للحال المزبور ، وذلك كاف في إثبات صحته من غير حاجة إلى إثبات كونه في حال الإحلال ، بل يكفي احتماله ، فلا يكون مدّعيا كالأوّل .
3 - كلّ ذلك مضافا إلى ملاحظة كلام الأصحاب وحكمهم بتقديم مدّعي الصحة على مدّعي الفساد فيما هو أعظم من ذلك .
كدعوى عدم البلوغ ، وكون المبيع خنزيرا أو شاة مثلا ، وغير ذلك ممّا يرجع بالأخرة إلى أوصاف أركان العقد فضلا عن المقام ، فما أدري ما الّذي اختلجه في خصوص ما نحن فيه ! ! ثمّ إنّه قال في صورة الجهل : « يحتمل تقديم قول من يدّعي تأخير العقد مطلقا ؛ لاعتضاد دعواه بأصالة عدم التقدّم . ويحتمل تقديم قول من يدّعي الفساد ؛ لأصالة عدم تحقّق الزوجية إلى أن تثبت شرعا ، والمسألة محل تردّد » « 2 » .
وفيه : 1 - أنّه خلاف مفروض المسألة الّذي هو مجرّد دعوى الفساد بوقوعه في الإحرام ودعوى الصحّة بعدم كونه كذلك من غير تعرّض للتقديم والتأخير . 2 - وأنّه لا وجه لاحتمال تقديم مدّعي الفساد فيما فرضه مع فرض كون مدّعي الصحّة يدّعي تأخيره عن حال الإحرام الّذي هو مقتضى الأصل . اللهمّ إلّا أن يكون ذلك من الأصول المثبتة ؛ ضرورة عدم اقتضائه التأخّر عنه ، لكن مقتضى ذلك مجهولية التقدّم والتأخّر بعد الاتفاق على عدم الاقتران . والمتّجه فيه جريان أصل الصحّة لا الفساد ، فتأمّل جيّدا . فإنّ كلام الأصحاب في المقام وغيره مطلق بالنسبة إلى الحكم بالصحّة من غير التفات إلى مسألة التأريخ ، هذا . وفي كشف اللثام بعد أن حكم بتقديم قول مدّعي الصحة في مفروض المسألة وإن كان المدّعي يدّعي إحرام نفسه قال :
« وكذا إن وجّه الدعوى إلى تاريخ الإحرام مع الاتفاق على تاريخ العقد فادّعى أحدهما تقديم الإحرام عليه لذلك ولأصل التأخّر وإن ادّعى إحرام نفسه ، إلّا أن يتّفقا على زمان ومكان يمكن فيهما الإحرام فيمكن أن يقال : القول قوله ؛ لأنّه أبصر بأفعال نفسه وأحواله . أمّا إن اتّفقا على تاريخ الإحرام ووجّه الدعوى إلى تاريخ العقد فادّعى تأخّره أمكن أن يكون القول قوله ؛ للأصل ، بل لتعارض أصلي الصحّة والتأخّر الموجب للفساد وتساقطهما فيبقى أصل عدم الزوجية بلا معارض » « 3 » . وفيه : أنّ البصيرة بأفعال نفسه لا يقتضي إثبات حق على الآخر ، خصوصا مع إمكان الاطلاع على أحواله باقرار وغيره ممّا يعلم منه أنّه كاذب في دعوى الإحرام ، والتعارض إنّما هو في افراد وقوعه لا بين أصالة التأخّر وأصل الصحّة كي يتّجه ما ذكر ، بخلاف ما قلناه ، فإنّ المتّجه فيه الصحّة لبقاء أصلها بلا معارض ، فتأمّل جيّدا .
هامش
( 1 ) المدارك 7 : 315 .
( 2 ) المدارك 7 : 315 .
( 3 ) كشف اللثام 5 : 336 .