وعلى كلّ حال فيستثنى من الكراهة أو الحرمة صوم الثلاثة الأيام للحاجة بالمدينة [ 1 ] ، [ وأن يكون الأربعاء والخميس والجمعة ] .
شرح
[ 1 ] بلا خلاف أجده فيه ؛ لقول الصادق عليه السّلام في صحيح معاوية بن عمّار : « إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أوّل يوم الأربعاء وتصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة ، وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط فيها نفسه حتى نزل عذره من السماء ، وتقعد عندها يوم الأربعاء ، ثمّ تأتي ليلة الخميس التي تليها ممّا يلي مقام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليلتك ويومك ، وتصوم يوم الخميس ثمّ تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومصلّاه ليلة الجمعة ، فتصلّي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة ، وإن استطعت أن لا تتكلّم بشيء في هذه الأيام إلّا ما لا بدّ لك منه ، ولا تخرج من المسجد إلّا لحاجة ، ولا تنام في ليل ولا نهار فإنّ ذلك ممّا يعدّ فيه الفضل ، ثمّ احمد اللّه في يوم الجمعة واثن عليه وصلّ على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وسل حاجتك ، وليكن فيما تقول : اللهمّ ما كان لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإنّي أتوجه إليك بنبيّك محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها ، فإنّك أحرى أن تقضي حاجتك إن شاء اللّه » « 1 » . وألحق بها المفيد في المقنعة باقي المشاهد قال فيها : « ولا يجوز لأحد أن يصوم في السفر تطوّعا ولا فرضا إلّا صوم ثلاثة أيام لدم المتعة من جملة العشرة الأيام ، ومن كانت عليه كفّارة يخرج عنها بالصيام ، وصوم النذر إذا نواه في الحضر والسفر معا أو علّقه لوقت من الأوقات وصوم ثلاثة أيام للحاجة أربعاء وخميس وجمعة متواليات عند قبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو في مشهد من مشاهد الأئمّة عليهم السّلام .
وقد روي حديث في جواز التطوّع في السفر بالصيام ، وجاءت أخبار بكراهة ذلك ، وأنّه ليس من البرّ الصيام في السفر « 2 » ، وهي أكثر وعليها العمل عند فقهاء العصابة ، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا كان أخذه من جهة الاتباع ، ومن عمل على أكثر الروايات واعتمد على المشهور منها في اجتناب الصيام في السفر على كلّ وجه سوى ما عدّدناه كان أولى بالحقّ » « 3 » . وفهم ابن إدريس « 4 » منها حرمة صوم التطوّع ، ولعلّ ذلك هو الظاهر من أوّلها ، بل يمكن إرادة الحرمة من الكراهة في آخرها . إلّا أنّ قوله : « فمن أخذ . . . إلى آخره » ينافي ذلك ، بل هو نصّ في الجواز ، بل يؤيّده ما حكي عنه قبل ذلك من جواز صوم الواجب عدا شهر رمضان في السفر فضلا عن المندوب ، وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك . وأمّا سلّار فالمحكيّ عنه أنّه بعد ما عدّ صوم الواجب في السفر من المحرّمات وصوم النافلة فيه من المكروهات قال : « ولا يصوم المسافر تطوّعا ولا فرضا إلّا صوم الثلاثة الأيام لدم المتعة وصوم النذر إذا علّقه بوقت حضر وسفر ، وصوم الثلاثة أيام للحاجة أربعاء وخميس وجمعة ، وقد روي جواز صوم التطوّع في السفر » « 5 » . قيل « 6 » : لعلّه أراد بنفي الصيام في السفر ما يعمّ التحريم والكراهة ، وبالجواز انتفاء الكراهة . وهو كما ترى . وقال ابن حمزة : « وأمّا صيام النفل فضربان مستحبّ وجائز ، فالأوّل صيام ثلاثة أيام عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لصلاة الحاجة والثاني ما سوى ذلك ، وروي كراهيّة الصوم في السفر ، والأوّل أثبت » « 7 » . قيل : وهو يعطي جواز المندوب غير الثلاثة بالمعنى الأخصّ المرادف للمباح .
وفيه : أنّ الصوم الشرعي لا يكون إلّا عبادة ، والعبادة لا تقع إلّا راجحة ، فيمكن أن يكون المراد بالاستحباب المتأكّد منه وبالجواز غير المتأكّد ، والأمر سهل بعد أن عرفت حقيقة الحال .
هامش
( 1 ) الوسائل 14 : 350 ، ب 11 من المزار ، ح 1 ، مع الاختلاف .
( 2 ) الوسائل 10 : 177 ، ب 1 ممّن يصحّ منه الصوم ، ح 10 ، 11 .
( 3 و 4 و 5 ) المقنعة : 350 . السرائر 1 : 393 . المراسم : 97 - 98 .
( 6 و 7 ) انظر الحدائق 13 : 198 . الوسيلة : 148 - 149 .