والتحقيق بعد اعطاء التأمّل حقّه : أنّه لا ريب في صدق الفقير على المسكين ولو الفرد الأدنى منه عرفا [ 1 ] .
وأمّا المسكين فهو مأخوذ من المسكنة بمعنى الذلّة ، فحيث يستعمل في غير الغني يراد منه تمام مصداق الفقير [ 2 ] . فهو متّحد المصداق حينئذ مع الفقير حال استعماله في هذا المعنى . وقد يستعمل في معنى آخر للذلّ من جهة أخرى تجامع الغنى والثروة ، لكن لا مدخلية له في مقامنا . وقد ظهر من ذلك وجه اندراج كلّ منهما في الآخر حال الانفراد ، وأنّه ليس للترادف المصطلح ، بل للاتحاد في المصداق وإن تغايرا بالمفهوم . أمّا مع الاجتماع فوجود لفظ الفقير قرينة صارفة عن عدم إرادة مصداقه من لفظ المسكين [ 3 ] . فليس حينئذ بعد كون المراد من المسكين ذا الذلّة من حيث عدم الغنى إلّا أن يراد من المسكين ذلّة خاصة تنطبق على بعض أفراد الفقير ، وهي إظهار شدّة الحاجة بالسؤال ونحوه [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] والأصل عدم النقل والتغيّر .
[ 2 ] كما يومئ إلى ذلك إطلاقه في الخمس والكفّارة وغيرهما ، فإنّ من لاحظ أخبار الخمس مع التأمّل الصادق علم إرادة الفقير من المسكين على وجه لا يخصّ الخمس ، بل إنّما هو من حيث ذلّ الفقر وكفى به ذلّا .
[ 3 ] لأصالة التأسيس بالنسبة إلى التأكيد . ولما عرفته حينئذ من نصّ الأكثر على التغاير ، والأصل بقاء لفظ الفقير على حقيقته .
[ 4 ] كما أومأ إليه العالم عليه السّلام فيما أرسله عنه في المحكي من تفسير علي بن إبراهيم فقال : « الفقراء هم الذين لا يسألون ؛ لقول للّه تعالى في سورة البقرة :لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ« 1 » إلى آخره ، والمساكين هم أهل الديانات قد دخل فيهم النساء والصبيان » « 2 » . ومراده عليه السّلام بالديانات المذلّات ، فإن الدين الذلّ . والصادق عليه السّلام في خبر أبي بصير أو حسنه ، قال : قلت له : قول اللّه تعالى :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ« 3 » فقال عليه السّلام : « الفقير : الذي لا يسأل الناس ، والمسكين : أجهد منه ، والبائس :
أجهدهم » « 4 » الحديث . وفي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام أنّه سأله : عن الفقير والمسكين ، فقال : « الفقير : الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي هو أجهد منه الذي يسأل » « 5 » . والظاهر أنّ مراده ما عرفت من ظهور أثر الذلّ عليه بالسؤال ونحوه ، كما أنّ مراده نحو ما سمعته في خبر أبي بصير وسابقه من كون ذلك حال الاجتماع كما في آية الزكاة لا مطلقا . وقال ابن عرفة على ما حكي عنه : « أخبرني أحمد بن يحيى عن محمد بن سلام أنّه قال ليونس : « أفرق لي بين المسكين والفقير ، فقال : الفقير الذي يجد القوت ، والمسكين الذي لا شيء له » « 6 » . ويؤيّد ذلك كلّه ما عن الغنية من الإجماع على أنّ الفقراء لهم شيء ، والمساكين لا شيء لهم « 7 » ، وقد نصّ على ذلك الأكثر من أهل اللغة . قلت : قد عرفت فيما تقدّم المحكي عنه من أهل اللغة ، بل قد عرفت نسبته في المسالك ومحكي التنقيح إلى الأكثر من غير تقييد ، بل قد سمعت نسبته إلى أهل اللغة . وفي محكي التحرير نسبة كون المسكين أسوأ حالا لأهل البيت عليهم السّلام ونصّ أهل اللغة « 8 » أيضا . وعلى كلّ حال فلا ريب في كونه المعروف بين أهل اللغة والفقه . بل قد يشهد له النبوي الآتي : « ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان . . . إلى آخره » . ضرورة كون المراد منه نفي المعنى المعروف للمسكين ، وإثباته لغيره على نوع من التجوّز نحو قول الشاعر :ليس من مات واستراح بميت * إنّما الميت ميت الأحياء
هامش
( 1 و 3 ) البقرة : 273 . التوبة : 60 .
( 2 و 4 و 5 ) الوسائل 9 : 212 ، 210 ، ب 1 من المستحقّين ، ح 7 ، 3 ، 2 .
( 6 ) نقله في المدارك 5 : 190 .
( 7 و 8 ) الغنية : 123 . التحرير 1 : 401 .