شرح
إشكال في العبارة حينئذ بناء على مختاره ، وإنّما هو في أصل الاختيار . لكن أطنب ثاني المحقّقين في فوائده على الكتاب في ذلك ، قال : « إعلم إنّ قول المصنّف : « ولو قضى . . . إلى آخره » ، يقتضي أن تكون شعب المسألة ثلاثا : إحداها : أن يكون الدين مستوعبا للتركة . الثانية : أن يكون غير مستوعب ويبقى بعد قضاء الدين نصاب لكنه لم يقض الدين . الثالثة : الصورة بحالها لكنه قضى . فيلزم من هذا أن يفرّق في الحكم مع عدم إحاطة الدين بالتركة بين القضاء وعدمه ، إلّا أنّ الفرق غير مستقيم ، فإنّه إنّما ينظر إلى الوجوب وعدمه عند بدوّ الصلاح ، فإن كان بحيث تتعلّق به الزكاة حينئذ وجب ، وإلّا فلا ، وليس للقضاء المتجدّد بعد ذلك اعتبار » « 1 » . [ ثمّ قال ] : « ويمكن أن يحمل قول المصنّف : « ولو قضى » على إرادة إمكان القضاء مع إبقاء بقية من التركة بعده تبلغ النصاب ، فيكون المراد أنّ الدين غير مستوعب للتركة ، ويكون قوله : « إذا مات المالك وعليه دين » منزلا على أنّ الدين مستوعب » « 2 » . [ ثمّ قال : ] « ويمكن أن يريد معنى آخر ، وهو أنّ الدين على تقدير أن لا يستوعب التركة ويبقى بعده نصاب ، فإنّا لو حكمنا بتعلّق وجوب الزكاة به لم يحكم به قبل قضاء الدين ؛ لإمكان تلف بعض التركة بغير تفريط من الوارث قبل وصولها إلى يده ، فيكون الباقي متعيّنا لقضاء الدين ، ويتبيّن عدم وجوب الزكاة ، فيكون قضاء الدين وبقاء النصاب كاشفا عن الوجوب ، وقضاؤه بعد تلف العين وعدم بقاء النصاب كاشفا عن العدم ، وعلى هذا فيكون القضاء معتبرا من هذه الجهة » « 3 » . [ ثمّ قال : ] « فإن قلت : المصنّف لا يرى الوجوب مطلقا ؛ لأنّه يرى أنّ التركة على حكم مال الميت ، فلا ينظر إلى القضاء وعدمه عنده . قلت : وإن كان لا يرى ذلك إلّا أنّ عدم الوجوب إنّما يستند إلى كون التركة على حكم مال الميت إذا انتفت جميع موانع الوجوب مثل استيعاب الدين للتركة وعروض التلف قبل قضائه ، فإذا وجد شيء من هذه الموانع لم يكن عدم الوجوب مستندا إلى خصوص كون التركة على حكم مال الميت بل يعمّ القولين ، فلابدّ من التقييد بانتفاء الموانع ، فيكون عدم الوجوب مستندا إلى ذلك ، ومن هذا يعلم إنّ قوله : « لأنّ التركة على حكم مال الميت » تعليل لقوله أخيرا : « لم تجب الزكاة » . وأمّا قوله قبل ذلك : « لم يجب على الوارث » فإنّه معلّل بأمر آخر وهو تعلّق الدين بالتركة الموجب للحجر على الوارث فيها ؛ لأنّ الظاهر أنّ المراد هناك كون الدين مستغرقا » « 4 » . [ ثمّ قال : ] « ولقائل أن يقول : إنّ الوارث متى تمكّن من التركة تعلّق به وجوب الزكاة إذا كانت تفي بالدين ويبقى بعده نصاب وإن لم يضع يده عليها ، ولو تلف بعضها في هذه الحالة لم يسقط من الزكاة شيء ، فلا يكون لاعتبار القضاء وجه » « 5 » .
وهي كما ترى متعبة عظيمة لا مقتضي لها ، مع أنّ فيها نظرا من وجوه ، وقد عرفت أنّ المراد من الدين فيها المستوعب ، ومن قوله : « ولو قضى . . . إلى آخره » اتفاق زيادة قيمة أعيان التركة بحيث قضي الدين منها ، وفضل للوارث نصاب بعد أن كان الدين محيطا بها وقت بلوغها الحد الذي تتعلّق به الزكاة . وعدم الوجوب حينئذ لأنّ التركة على حكم مال الميت عند المصنّف وقت تعلّق الوجوب . وإذا سقطت الزكاة في هذا الفرض سقطت في غيره أي فيما لم يفضل شيء بطريق أولى ، فيكون مراد المصنّف التنبيه على الفرد الأخفى . فلا حاجة إلى ذلك كلّه ، وإلى حمل كلام المصنّف على ما لا يقول به أحد من بقائها على حكم مال الميت وإن لم يكن مستوعبا ، ولا إلى غير ذلك ممّا يحتاج بيان فساده إلى إطناب ، ولا إلى ما أطنب به ثاني الشهيدين « 6 » حيث تصدّى لدفع ما ذكره
هامش
( 1 و 2 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 259 .
( 3 و 4 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 260 .
( 5 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 260 - 261 .
( 6 ) المسالك 1 : 397 - 398 .