تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
. . . . . . . . . .
شرح
وكأنّ الذي ألجأه إلى ذلك استبعاد احتسابه مسافراً وقاصداً للمسافة من ابتداء عوده مع إرادته التكرار ، كما أومأ إليه بقوله : « وقد صرّح الأصحاب . . . إلى آخره » . لكنّك خبير بأنّه يمكن أن يقال : إنّه وإن كان كذلك بادي الرأي ، إلّا أنّه مع التأمّل ومراعاة قواعد الشرع في المسافر والمقيم - التي هي لا تنطبق على ما في العرف في بعض الأحيان - يرتفع ذلك الاستبعاد ، ويعلم أنّ مراد الأصحاب بقصد المسافة ما يشمل مثل المقام ، وأنّه لا يضرّه هذا التردّد في الأثناء ، من غير فرق بين قصده ذلك ابتداءً أو بدا له في الأثناء وإن كان ظاهر الكشف الاعتراف به في الثاني ، ولا بين قلّته وكثرته ، ولا بين التردّد إلى مكان مخصوص أو غيره ، فلا تناقض حينئذٍ بين كلماتهم كي يلتجأ منه إلى ما ذكره . بل قد يقوى في النظر أنّ المتّجه على كلام الشيخ ومن تبعه - من القائلين بالقصر ذهاباً وإياباً ومقصداً - عدم الفرق بين التكرار وعدمه ؛ لاقتضاء دليلهم ذلك . نعم يتّجه الفرق على مختار المتأخّرين من التفصيل بين الذهاب والعود ، فيقصّر في الأخير خاصّة ؛ ضرورة أنّه لا يعقل منهم الفرق بين الذهاب الأوّل الذي حكموا بالتمام فيه وبين الذهاب الثاني أو الثالث ؛ إذ من المستبعد أن يحكموا بصدق السفر عليه مع هذا القصد ابتداءً من حين الشروع في العود ثمّ الذهاب ثمّ الإياب . . . وهكذا دون الذهاب الأوّل . ولعلّه إلى ذلك لوّح المقدّس الأردبيلي فيما حكي عنه ، حيث قال : « وأمّا مع عدم نيّة الإقامة - فيكون قاصداً للرجوع مع عدم الإقامة المستأنفة أو متردّداً أو ذاهلًا - فالظاهر وجوب الإتمام مطلقاً ، إلّا أن يكون في نفسه السفر إلى بلد يكون مسافة بعد العود وقبل الإقامة ، ويكون بالخروج عن بلد الإقامة قاصداً ذلك بحيث يقال : إنّه مسافر إلى ذلك البلد ، إلّا أنّ له شغلًا في موضع منها فيقضي شغله ثمّ يرجع إلى بلد الإقامة ، فحينئذٍ يكون مقصّراً بمجرّد الخروج إلى محلّ الترخّص مع نيّة العود » ثمّ قال : « وبالجملة : الحكم تابع لقصده ، فإن صدق عليه عرفاً أنّه مسافر وتحقّقت شرائط القصر قصّر وإلّا أتمّ » إلى أن قال : « وليس هذا بخارج عن القوانين ولا عن إجماعهم الذي نقل على وجوب القصر حين العود ؛ لاحتمال كلامهم ذلك ، فإنّه مجمل غير مفصّل » ثمّ قال بعد ذلك : « إنّهم قالوا : لا بدّ للقصر بعد الإقامة من قصد مسافة أخرى ومن الخروج إلى محلّ الترخّص بقصد تلك المسافة بحيث يكون هذا الخروج جزءاً من ذلك السفر ، ومعلوم عدم تحقّق ذلك فيما نحن فيه » « 1 » . وإن كان في كلامه نظر أيضاً من وجوه تعرف ممّا تقدّم ، وأعظمها دعواه الإجمال في كلمات الأصحاب ، وتنزيله الإجماع المزبور على تلك الصورة المزبورة خاصّة مع أنّه لم يستقرّ عليها . حتى قال ما سمعته أخيراً ممّا نسبه إلى الأصحاب من اعتبارهم كون هذا الخروج جزءاً من ذلك السفر الذي هو واضح المنع إن أراد الجميع ، خصوصاً بعد مراعاة كلامهم في المقام . كوضوح المنع فيما يحكى عن بعض من تقدّم على الشهيد الثاني « 2 » حيث زعم التناقض في كلمات المقام بين من أطلق القصر فيه وبين ما تقدّم لهم من أنّ ناوي الإقامة لا يعود إلى القصر بعد أن صلّى تماماً إلّا إذا خرج قاصداً للمسافة . فأجاب بحمل كلامهم هنا على ما إذا خرج قبل الصلاة تماماً .
هامش
( 1 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 441 - 442 . ( 2 ) نقله في مفتاح الكرامة 3 : 594 .