. . . . . . . . . .
شرح
كم أصلّي ؟ فقال : « صلّ ثمان ركعات عند زوال الشمس ، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : الصلاة في مسجدي كألف في غيره إلّا المسجد الحرام ، فإنّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي » « 1 » .
ومن هنا مال في المدارك كما عن مجمع البرهان إلى مساواتها الفريضة في رجحان فعلها في المسجد بعد أن حكاه عن جدّه في بعض تحقيقاته « 2 » ، وتبعه بعض من تأخّر عنه « 3 » .
وربّما يؤيّده - زيادةً على ما سمعت - : قصور أدلّة المشهور عن إفادة المطلوب ؛ إذ هي بين غير معتبر السند - وكون الحكم استحبابيّاً يتسامع فيه لا يجدي فيما نحن فيه ممّا كان المقابل أيضاً حكماً استحبابيّاً ، فإنّه يكون حينئذٍ معارضاً بمثله - وبين غير دالّ على المطلوب كالنصوص الدالّة على استحباب التستّر بها « 4 » .
إذ هي - مع أنّها من المعلوم كون الحكمة فيها التخلّص عن الرياء ونحوه من وساوس الشيطان - خارجة عن المطلب ؛ ضرورة كون البحث في رجحانها في المسجد وعدمه من حيث المسجديّة وغيرها مع قطع النظر عن الجهات الخارجيّة التي هي ليست بمستحيلة الانفكاك عقلًا وعرفاً . ويمكن معارضتها أيضاً بما في الطرف المقابل من رجاء اقتداء الناس به ورغبتهم في الفعل كما يومئ إليه استحباب الجهر بها في الليل « 5 » ، والأمر بأخبار أخيك المؤمن وقول : « قد رزق اللَّه ذلك » إذا سألك : « هل قمت الليلة أو صمت ؟ » « 6 » ، على أنّه ربّما تكون في المسجد أستر من غيره .
وبالجملة : الجهات والاعتبارات في البيوت والمساجد مختلفة أشدّ اختلاف بملاحظة اختلاف الأشخاص والمساجد والبيوت والنوافل والأزمنة ، ولعلّه لذا كان المستفاد من بعض الأخبار استحبابها في المنزل ومن آخر في المسجد ؛ إذ لكلٍّ خصوصيّة أو مزيّة داخليّة أي لا حقة له بالذات غير مستقلّة ، كرجحان كون البيت ممّا يصلّي فيه في الليل ، وخارجيّة أي ممكنة الاستقلال وإن اجتمعت معه في الوجود الخارجي ككونها سرّاً مثلًا وأبعد من الرياء .
وإن كان بمعونة فتوى الأصحاب - وظاهر الإجماعين السابقين وظهور بعض النصوص السابقة في شدّة محبّة اللَّه إرادة الذكر في المنزل سرّاً وغير ذلك - يمكن ترجيح مراعاة مزيّة الأوّل على الثاني إن لم تعاضده مزيّة أخرى خارجة عن المسجديّة أو داخليّة كمسجديّة خاصّة ونحوها ، وإلّا فمعها قد ترجح مراعاة جهة المسجديّة على المنزل بمراتب ، بل ربّما كان نفس الإحاطة بجميع المندوبات فاضلها ومفضولها جهة مرجّحة ؛ ضرورة إرادة اللَّه فعل الجميع ، ولذا أمر بالفاضل والمفضول ، وفعلوهما عليهم السلام معاً ولم يصرّوا على فعل الأفضل منها خاصّة .
ولعلّ اللَّه قد جعل مصالح كامنة في الأشياء تختلف باختلاف العباد كما جعل في المآكل والمشارب والعقاقير ونحوها خواصّ كذلك تختلف باختلاف الأمزجة ، ومن كشف اللَّه بصيرته وعلم حسن سيرته وكان هو المؤيّد والمسدّد له والهادي يوفّقه لما يحبّه ويرضاه له ، قال اللَّه تعالى :( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )« 7 » .
هامش
( 1 ) الوسائل 5 : 280 - 281 ، ب 57 من أحكام المساجد ، ح 6 .
( 2 ) المدارك 4 : 407 . مجمع الفائدة والبرهان 2 : 145 .
( 3 ) كفاية الأحكام 1 : 84 .
( 4 ) انظر الوسائل 1 : 77 ، ب 17 من مقدّمة العبادات .
( 5 ) انظر الوسائل 6 : 77 ، ب 22 من القراءة في الصلاة .
( 6 ) المستدرك 1 : 115 ، ب 14 من مقدّمة العبادات ، ح 3 .
( 7 ) العنكبوت : 69 .