ولا فرق [ بناءً على منع الدفن في المساجد ] على الظاهر بين سبق المسجديّة على الدفن وبين سبقه عليها ، بل لعلّه أولى بالمنع ( 1 ) .
شرح
( 1 ) لخبر سماعة بن مهران : سأله [ الصادق عليه السلام ] عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها ؟ فقال : « أمّا زيارة القبور فلا بأس ، ولا يبنى عندها مساجد » « 1 » . وإن كان يحتمل إرادة المقابر منه التي هي كالشوارع والمشارع « 2 » والطرق ونحوها من الأراضي التي تعلّق بها الحقوق العامّة المانعة عن اتّخاذها مساجد . وذلك غير ما نحن فيه ، كبعض النصوص الاخر حتى الخبر المشهور : « أنّ الأرض كلّها مسجد إلّا بئر غائط ومقبرة » « 3 » المحتمل أيضاً غير ما نحن فيه من المساجد . لكن ومع ذلك كلّه فالأحوط في البراءة عن التكليف بالدفن - إن لم يكن الأقوى - المنع ، وفاقاً لمن عرفت ، وفيهم من لا يعمل إلّا بالقطعيّات ، على أنّك قد عرفت حكايته [ المنع ] عن النهاية التي هي متون أخبار .
بل قد يظهر من حاشيةٍ على هامش ما حضرني من نسخة الوسائل « 4 » - كتب تحتها : أنّها منه - الإجماع عليه ، حيث نسبه فيها إلى الفقهاء ، بل لعلّه كذلك لو لوحظ عدم التردّد فيه من كثير من المتعرّضين له .
بل قد عرفت أنّ المستند فيه عدم الانفكاك عن النجاسة ، خصوصاً بناءً على عدم الفرق بين الملوّثة وغيرها ، لا تلك التعليلات . مع أنّه يمكن تسديدها [ حرمة الدفن ] بالفرق بين الدفن وبين الأمور السابقة [ كوضع المنارة وحفر حفيرة ] التي قيس عليها باعتبار كون الدفن مقتضياً للتعطيل عن الاستعداد للانتفاع بالمسجد لو فرض حدوث حاجة في تغييره مثلًا لحرمة النبش بخلاف الأمور السابقة ، مع ما فيه [ في الدفن ] من تنفير المتردّدين وامتناع صلاتهم أو كراهتها التي هي نوع ضرر أيضاً في مثل الأماكن المتّخذة لمضاعفة ثواب العبادة . ودفن فاطمة عليها السلام لم يثبت أنّه في المسجد ، بل ظاهر خبر البزنطي « 5 » عدمه كما سمعت ، بل ربّما يشمّ منه - بسبب ذكر اعتذاره فيه عن كونها في المسجد بفعل بني اميّة لعنهم اللَّه - معلوميّة امتناع الدفن في المسجد . ودفن الأنبياء السابقين لم يثبت تعبّدنا به في شرعنا ، بل ولم يثبت كونه سابقاً على المسجديّة المعتبرة ، بل لم يثبت صيرورة نفس قبورهم مسجداً .
بل قد يظهر من جملة من النصوص الواردة في أنّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام دفنا حذاء المسجد « 6 » امتناع الدفن فيه حتى في ذلك الزمان ، وإلّا لم يدفنا حذاءه . على أنّه يمكن اختصاص ذلك بالمعصومين المنزّهين عن سائر الأدناس ، ولا كراهة في الصلاة عندهم .
بل لعلّ قوله عليه السلام : إنّه « ما من مسجد إلّا وبني على قبر نبيّ أو وصيّ نبيّ . . . إلى آخره » « 7 » شاهدٌ على ذلك وإن كان المراد منه على الظاهر بيان حكمة سماويّة وعلّة ربّانيّة ، لا أنّه قبر معروف جعل مسجداً ، ولعلّ نصوص دفن الأنبياء من هذا القبيل . كما أنّ الظاهر إرادة بعض الأصحاب من كراهة بناء المسجد على القبر اتّخاذ المسجد وهو فيه ، لا صيرورة نفس القبر مسجداً إن لم نقل بالفرق بين السبق واللحوق ، مع احتماله قويّاً جدّاً وإن ترك الاستفصال في خبر سماعة . لكن لعلّه لظهوره فيما سمعت من المعتبرة ، على أنّه لا يكفي سنداً للمنع لوجوه ، منها قوّة مقتضي الجواز من أدلّة ندب اتّخاذ المسجد مع حرمة النبش ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 3 : 234 ، ب 65 من الدفن ، ح 1 .
( 2 ) في بعض النسخ : « المشاع » .
( 3 ) تقدّم في ص 379 .
( 4 ) الوسائل 5 : 269 ، ب 50 من أحكام المساجد ، ذيل الحديث 2 .
( 5 ) تقدّم في ص 381 .
( 6 ) انظر الوسائل 13 : 355 ، ب 30 من الطواف ، ح 8 .
( 7 ) الوسائل 5 : 225 ، ب 21 من أحكام المساجد ، ح 1 .