. . . . . . . . . .
شرح
ودفع ذلك كلّه بأنّ المراد أنّ الكبيرة كلّ ما توعّد اللَّه عليها بالنار ، وبعض الأشياء الذي قام عليه الدليل ينافيه جعل ذلك ضابطاً . ومن هنا توقّف رحمه الله في الحكم بكبر بعض الأشياء الواردة في السنّة مع عدم دخولها تحت هذا الضابط « 1 » .
وأيضاً قوله رحمه الله أخيراً : إنّه قد يتعقّب الوعيد في الآيات خصالًا شتّى وأوصافاً متعدّدة لا يعلم أنّها للمجموع أو للآحاد ، فلذلك طوينا ذكرها فيه ، أنّه إذا كان اجتناب الكبيرة شرطاً مثلًا في تحقّق العدالة وغيرها فلا يمكن الحكم بالعدالة حتى يعلم اجتناب الكبيرة ، ولا يكون ذلك إلّا باجتناب جميع ما يحتمل أنّه كبيرة .
نعم لو قلنا إنّ فعل الكبيرة مانع من الحكم بالعدالة لاتّجه القول بذلك ؛ لأنّا لم نعلم أنّها كبيرة ، ولعلّه قدس سره أراد الشكّ في الاندراج في التعريف ، فيتجه له حينئذٍ عدم إجراء حكم الكبيرة على مثله ، لكون المتيقّن الأخير في الآية ، وغيره محلّ شكّ فيه .
ولكن على كلّ حال الرجوع في تفسير الكبيرة إلى ما ذكر - من أنّها ما توعّد اللَّه عليها بالنار ، ورجوع ذلك إلى معرفتنا ، وأنّ المراد به كون ذلك الوعد في كتابه لا ما يشمل ما كان على لسان نبيّه والأئمة عليهم الصلاة والسلام ، وإجراء الحكم من العدالة والتكفير ونحو ذلك عليه - ممّا يقطع الناظر المتأمّل الممارس لطريقة الشرع بفساده . فلا بدّ إمّا من القول بهذا التفسير وإيكال ذلك إلى معرفتهم عليهم السلام ، كما يشعر به حسنة عبيد بن زرارة المتقدّمة ، ويتّجه حينئذٍ ما نقل عن ابن عباس أنّها إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع « 2 » ، وفي رواية : إلى السبعين 3 . أو يراد به ولو على لسان النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام كما تشعر به رواية عبد العظيم ابن عبد اللَّه الحسيني . أو يراد تعريف الأكبر من قوله : « هي ما توعّد اللَّه عليه بالنار » « 4 » لا أنّه تعريف مساوٍ للكبائر ، كما يشعر به بعض الأخبار « 5 » ، وفي بعض الروايات « 6 » : أنّها سبع ، وعدّ منها ما توعّد اللَّه عليه النار .
وبذلك يتّجه الجمع بين الروايات . ودعوى أنّ حصر الكبائر فيما ذكره العلّامة المزبور لا يقتضي عدم انقداح العدالة بغيرها ، وأنّه لا بدّ وأن تقع غيرها مكفّرة ؛ إذ لعلّ العدالة يقدح فيها ما ليس بكبيرة ، وجميع الصغائر لا تقع مكفّرة . يدفعها : ظهور اتّفاق القائلين بأنّ الذنوب على قسمين - صغائر وكبائر - على هذين الأمرين . نعم بعض من لم يقل بذلك كابن إدريس يظهر منه انقداح العدالة بالجميع ، وأنّها محتاجة إلى التوبة « 7 » ، على أنّه لا فائدة في هذه المتعبة في حصر الكبائر من دون هذين الأمرين ، 13 / 320 / 521
فإنّه رحمه الله قد ظهر منه بذل الجهد بما لم يسبقه إليه أحد حتى يظهر منه أنّه استقرأ القرآن من أوّله إلى آخره ، ولاحظ جميع الأخبار الواردة في المقام وجميع « 8 » ما تضمّنته الروايات - بعد حذف المكرّر - في أربعين ، وما تضمّنه الكتاب العزيز صريحاً وضمناً في أربع وثلاثين ، واستشكل فيما تضمّنته بعض الأخبار من جهة عدم موافقته لهذا الضابط ، وما ذلك إلّا ليرتّب عليها أحكاماً جليلة كالعدالة والاحتياج إلى التوبة ونحو ذلك . وقد عرفت أنّ ذلك غير متّضح الوجه .
هامش
( 1 ) مصابيح الاحكام : الورقة 159 .
( 2 ) 2 ، 3 تفسير الطبري 5 : 41 .
( 4 ) تقدّم في ص 239 .
( 5 ) الوسائل 15 : 318 ، 325 - 326 ، 330 ، ب 46 من جهاد النفس ، ح 1 ، 20 ، 35 .
( 6 ) المصدر السابق : 322 ، 326 ، 327 ، ح 6 ، 21 ، 24 .
( 7 ) السرائر 2 : 118 .
( 8 ) يحتمل : « جمع » .