تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
. . . . . . . . . .
شرح
بعض المعاصي ، والعدالة محتاج إليها الناس في أكثر أمورهم من عبادات ومعاملات . وفتح باب التوبة - المقدور عليها في كلّ وقت وحين - غير مُجدٍ بعد الاحتياج إلى الاختبار ؛ إذ التحقيق أنّه لا تقبل بمجرّد قوله : تبت من دون معرفة الندم الباطني منه ، بل ربّما قيل بتعذّر العزم على عدم المعاودة - المتوقفة عليه التوبة - أو تعسّره ، وإن كان فيه منع واضح ؛ ضرورة نهي اللَّه عن جميع المعاصي ، بل قد يقال : إنّا نمنع قلّة وجود العدل بالمعنى المذكور ، فإنّ الظنّ الغالب من جهة مراعاة أحوال الناس في أنّه لا يسلم أحد منهم من وقوع الصغيرة ظنّ إجمالي ، وإلّا فليس في غالب أحوالنا في جميع الأوقات نعلم أنّ الشخص الذي ظاهره الستر والعفاف واجتناب الكبائر وقعت منه صغيرة لا نعلم منه أنّه تاب عنها أو لا ، كلّا إنّ ذلك ممنوع ، بل قد يحصل الظنّ بعدمه في كثير من الناس . على أنّه يمكن أن يقال : كون الذنوب كلّها كبائر لا يقضي بأنّها كلّها قادحة في العدالة ؛ إذ لا دليل على ذلك ، بل القادح فيها الأكبر من المعاصي . وأمّا غير الأكبر فلا يقدح إلّا مع الاصرار ؛ لأنّ العدالة المستفادة من الأخبار هي كون الرجل معروفاً بالستر والعفاف ، مجتنباً للمعاصي العظيمة ، حسن الظاهر ، إذا سئل عنه في محلّته قيل : لا نعلم منه إلّا خيراً ، وهذا لا يقدح فيه وقوع بعض الذنوب التي ليست بتلك المكانة إلّا مع الاصرار عليها . ويرشد إلى هذا أنّ أهل القول الأوّل ما دعاهم إلى كون العدالة اجتناب الكبائر مع عدم الاصرار على الصغائر أنّه عندهم المعاصي تنقسم إلى قسمين ؛ إذ من الواضح أنّ هذا لا يلزم منه ذلك ولا وقوعها مكفّرة ، فإنّه لا تلازم بين كونها مكفّرة وعدم قدحها في العدالة ، فإنّه قد يكون استحقاق العقاب قادحاً في العدالة ، بل الذي دعاهم إلى ذلك هو ظواهر الأخبار الدالّة على أنّ العدالة لا يقدح فيها مثل ذلك وهو بعينه الداعي لُاولئك إن كانت المعاصي عندهم كلّها كبائر . نعم كلام ابن إدريس ينافي ذلك ؛ لظهوره في أنّ فاعل الصغيرة لا يحكم بعدالته حتى يتوب ، لكنّه ليس هو حجة على غيره ، مع احتمال أنّه ذكره في الردّ على الشيخ لبيان أنّ التوبة علاج له . وما في رواية ابن أبي يعفور « ويعرف باجتناب الكبائر » « 1 » لا ينافي ذلك ؛ لأنّ المراد بالكبائر هنا قطعاً غير ذلك المعنى ؛ لوصفه الكبائر فيها بالتي أوعد اللَّه عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ، وغير ذلك من المعاصي ، وهو الأكبر . وليس قولنا : إنّ المعاصي كلّها كبائر يوجب حمل هذا اللفظ على ذلك [ عدم وجود غيرها ] ولو مع القرينة الصارفة ، كما أنّ جعل الوصف [ أي الكبيرة ] موضّحاً ليس بأولى من جعله مخصّصاً . وعود النزاع لفظيّاً على هذا التقدير نلتزمه إن كانت ثمرته منحصرة في ذلك ، مع أنّ الظاهر عدم الانحصار . بل قد يقال : إنّ أهل هذا القول لا ينافيهم القول بالتكفير ؛ لأنّ المراد بكون الكلّ كبائر عندهم من جهة القبح واستحقاق العقاب ، خلافاً للمعتزلة ، فإنّه يظهر من المنقول عنهم أنّه لا يحسن المؤاخذة على الصغائر مع اجتناب الكبائر « 2 » .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 221 . ( 2 ) الذخيرة : 304 .