. . . . . . . . . .
شرح
ويرشد إلى هذا قوله في مجمع البيان في العبارة السابقة : « إنّ المعاصي كلّها كبائر من حيث القبح » ، بل وقوله : « وإنّما يكون صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر ، ويستحقّ العقاب عليها أكثر » ، بل وقوله أيضاً بعد عبارته السابقة : « وهذان القولان متقاربان » « 1 » .
مشيراً به إلى قول متقدّم على القول الذي نسبه إلى أصحابنا هو أنّ الكبيرة كلّ ما أوعد اللَّه عزّ اسمه عليه في الآخرة عقاباً ، أو أوجب فيه في الدنيا حدّاً ؛ إذ لا يكونان متقاربين إلّا مع إرادة استحقاق العقاب ؛ لأنّ اللَّه قد أوعد على المعاصي كلّها النار ، قال عزّ من قائل :( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )« 2 » إلى آخره ، فتأمّل .
وإن أبيت ذلك كلّه فقد يستدلّ لهم :
1 - ببعض الأخبار :
أ - نحو ما دلّ « 3 » على أنّ كلّ معصية شديدة .
ب - وفي بعضها : « لا تنظر إلى ما عصيت ، بل انظر إلى من عصيت » « 4 » .
ج - وما دلّ « 5 » على التحذير من استحقار الذنب معلّلًا بأنّه قد يكون غضب اللَّه فيه ، وغير ذلك .
وما يقال : إنّ الاستحقار أمر زائد على الذنب - فلعلّه بانضمامه إلى ذلك يكون كبيرة - فيه ما لا يخفى .
2 - وبأنّ اللَّه قد أوعد على سائر المعاصي النار .
3 - وبأنّ أخبار الكبائر قد اختلفت اختلافاً لا يرجى جمعه .
4 - وبأنّ في ذلك [ التقسيم ] إغراءً للمكلّف في فعل المعصية .
5 - مضافاً إلى إمكان إرادة الأكبر من الكبائر في الروايات ، كما يومئ إلى ذلك بعضها .
وفي الآية : إنّكم إن اجتنبتم هذه الكبائر التي ذكرناها في هذه السورة نكفّر عنكم ما وقع منكم منها في الماضي ، كقوله تعالى :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ )« 6 » ، ومثله :( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ )« 7 » .
وإن كان لا يخفى ما في الجميع .
واختلاف الأخبار غير قادح فيما علم منها جميعها من أنّ الذنوب فيها كبائر وصغائر .
هامش
( 1 ) مجمع البيان 3 - 4 : 38 .
( 2 ) النساء : 14 .
( 3 ) الوسائل 15 : 299 ، ب 40 من جهاد النفس ، ح 3 .
( 4 ) المستدرك 11 : 330 ، ب 40 من جهاد النفس ، ح 16 .
( 5 ) انظر الوسائل 15 : 310 ، ب 43 من جهاد النفس .
( 6 ) الأنفال : 38 .
( 7 ) النساء : 22 .