أمّا لو ترك الردّ ولم يشتغل حال الخطاب به بشيء من أضداده حتى مضى زمانه فلا بطلان [ 1 ] .
ثمّ إنّه لا يبعد أولويّة ترك السلام على المصلّي ، خصوصاً مع حصول الاضطراب له باستحضار كيفيّة الجواب . وربّما يقع في شكّ في أنّه سلّم بحيث يجب الجواب أو لا ، وغير ذلك [ 2 ] . هذا .
-
شرح
( 1 ) لعدم المقتضي كما هو واضح ؛ إذ الظاهر أنّ الردّ ليس من الواجبات التي تبقى في ذمّة المكلّف بعد تقصيره في الأداء في تلك الحال ، وإن كان ذلك هو المختار في الواجبات الفوريّة ، لكن التي تستفاد فوريّتها من الأوامر مثلًا ولو بالقرينة ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ فوريّته من كيفيّة ردّ التحيّة عرفاً ، فهي من أوصاف المأمور به وقيوده لا الأمر . فعدم الوجوب حينئذٍ في ثاني الأزمنة وثالثها ؛ لانتفاء كيفيّة الردّ عرفاً ، وللأصل ، والسيرة القطعيّة . فما في مجمع البرهان من أنّه لو كان المسلّم حاضراً وجب عليه الردّ دائماً ، ولو غاب وذهب يجب عليه الذهاب حتى يردّ عليه عندهم على الظاهر ، فلا يجوز فعل الصلاة المنافي له ( « 1 » ) بناءً على مسألة الضدّ غريب ، ومقتضاه - كما صرّح به هو أيضاً - بطلان الصلوات الاخر وغيرها من العبادات المنافية لذهابه للردّ ، بل قال : إنّه يمكن بطلانها أيضاً مع ترك الردّ لو فرض عدم إمكان الوصول إلى المسلّم أيضاً ؛ لاحتمال وجوبه حينئذٍ في نفسه وإن لم يسمع ؛ إذ ذاك يجب مع إمكانه ، فلا يسقط حينئذٍ أصل الردّ ( « 1 » ) . وهو كما ترى لا يستأهل ردّاً ، خصوصاً في مثل الصلاة المشتغل فيها ؛ لإمكان القول بترجيح حرمة إبطالها على وجوب الردّ المستلزم له ؛ ضرورة ظهور الأدلّة في وجوبه مع إمكان الجمع . أمّا لو فرض عصيان المكلّف حتى احتاج الردّ إلى الإبطال بالمشي ونحوه من المنافيات بناءً على بقاء وجوبه فلا ، وليس هو من مسألة الضدّ ، بل هو من ترجيح مراعاة الحرمة على الوجوب . وكذا لا يستأهل ردّاً احتمال البطلان مطلقاً أي سواءً اشتغل بضدّ أو لا ، ولعلّه مقتضى إطلاق البطلان في التحرير ( « 3 » ) ؛ إذ لا وجه له إلّا دعوى ظهور النصوص في وجوب الردّ في الصلاة ، فيكون كسائر ما يجب فيها من الستر والاستقبال ونحوهما ، ولا ينافيه وجوبه قبلها ؛ إذ هو فهم عرفي من اللفظ ، كالمحرّم قبل الصلاة لو فرض مجيء نهي به ، نحو لا تنظر إلى الأجنبيّة في الصلاة . وفيه : أنّه لا شكّ في ظهور الأدلّة في إرادة أنّ الصلاة لا تمنع وجوب الردّ ، لا أنّه من واجبات الصلاة ، فلاحظ وتأمّل .
( 2 ) وللنهي في خبر الخصال المتقدّم والمروي عن قرب الإسناد عن الصادق عليه السلام : « كنت أسمع أبي عليه السلام يقول : إذا دخلت المسجد والقوم يصلّون فلا تسلّم عليهم ، وسلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ أقبل على صلاتك ، وإذا دخلت على قوم جلوس فسلّم عليهم » ( « 4 » ) . ولا داعي إلى حملهما على التقيّة - لمنع جمهور العامّة من الردّ نطقاً ، بل عن أبي حنيفة المنع من الإشارة بالإصبع أيضاً ( « 5 » ) - إذ لا معارض لهما إلّا : 1 - إطلاق ما دلّ على استحباب الابتداء بالسلام ، ويجب الخروج عنها بهما ، مع أنّ أقصى ذلك التأخّر إلى الفراغ من الصلاة لا سقوط السلام أصلًا . 2 - وما أرسله في الذكرى عن الباقر عليه السلام : « إذا دخلت المسجد والناس يصلّون فسلّم عليهم ، وإذا سلّم عليك فاردد فإنّي أفعله ، وإنّ عمار بن ياسر مرّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلّي فقال : السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته ، فردّ عليه السلام » ( « 6 » ) ، ويمكن حمله على الاستحباب الذي لا ينافي الكراهة . وكيف كان فالأمر في الكراهة - خصوصاً مثل هذه الكراهة - سهل .
هامش
( 1 ) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 122 .
( 3 ) التحرير 1 : 269 .
( 4 ) قرب الإسناد : 94 ، ح 317 . الوسائل 7 : 270 - 271 ، ب 17 من قواطع الصلاة ، ح 2 .
( 5 ) المجموع 4 : 105 .
( 6 ) الذكرى 4 : 24 . الوسائل 7 : 271 ، ب 17 من قواطع الصلاة ، ح 3 .