الاحتمالات الثلاث [ 1 ] .
-
شرح
( 1 ) وإن احتمل الأوّلين منها بعضهم ( « 1 » ) ، وكأنّه لمّا ضاق به الخناق وأراد الجمع بين اشتراط الاستقبال والحكم بعدم قادحيّة الالتفات بالوجه ارتكب ما سمعت . وفيه : أنّه لا ريب في عدم قابليّة النصوص والفتاوى للجمع المزبور ؛ ضرورة عدم الشاهد على مدخليّة الطول والقصر في ذلك ؛ إذ ليس هو - بناءً على اعتبار الاستقبال به بحيث ينافيه الالتفات - إلّا كالاستقبال بالكلّ والالتفات به الذي لا يتفاوت فيه بين الطول والقصر قطعاً . اللّهم إلّا أن يقال : إنّ الإبطال به مع الطول لا من حيث الالتفات الذي هو المانع ، بل لفوات الشرط الذي هو الاستقبال ؛ إذ الالتفات كما أنّه يعتبر فيه سبق غير الحال الذي التفت عنه يعتبر فيه أيضاً الانقطاع بسرعة على الظاهر ، فالفرض حينئذٍ ليس من الالتفات حتى يكون مكروهاً ، بل هو حال آخر فات شرط الاستقبال فيه ، لكنّه كما ترى .
وكذا لا مدخليّة لمقارنة الأفعال وعدمها ؛ لأنّه على التقدير المزبور شرط للصلاة لا لأفعالها خاصّة كالطمأنينة مثلًا ، بل هو مثل الطهارة والستر ونحوهما ممّا يعتبر حصوله ما دام المكلّف في الصلاة حال الفعل أو لا ، ومن الواضح أنّه لا زمان متخلّل بحيث يكون فيه ليس في صلاة وإن تلبّس ببعض الأفعال الخارجة عنها ، إلّا أنّ وصف كونه في صلاةٍ لاحق له ، وإلّا لم يكن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ، وستسمع إن شاء اللَّه زيادة توضيح له . والثالث - وإن كان هو أولى من السابقين ، ومرجعه إلى شرطية الاستقبال به ابتداءً لا استدامة بحيث ينافيه الفرض - مساعدة الأدلّة عليه والفتاوى لا تخلو من صعوبة . فالأولى حينئذٍ ما ذكرنا من عدم منافاة هذا الالتفات للمعتبر من الاستقبال بالوجه وتوليته ، واللَّه أعلم . وأمّا نصوص الوجه ونحوه فلا يخفى على من لاحظها وله أدنى خبرة بالمحاورات ، أنّ المراد منها - حتى خبري الفضيل والقماط المطّرحين عندنا كما سمعته في الحدث - الإعراض عن القبلة والمضيّ عنها بالكلّ المكنّى عنه بالوجه كالآية المستدلّ بها في بعض تلك النصوص ، فلا شاهد فيها حينئذٍ على ذلك . ولعلّه لذا ترك الاستدلال بها في كشف اللثام ( « 1 » ) مع شدّة تجشّمه لمختاره ، حتى استدلّ باحتمال كونه فاحشاً الذي لا يجديه - بعد تسليمه له - في تقييد إطلاق أدلّة الجواز . نعم يتّجه ذلك بناءً على ظهور تناول الفاحش كما سمعته في المدارك ( « 3 » ) ؛ إذ هو ليس من مصداق الموضوع كي يعتبر فيه القطع مثلًا ، بل هو من الظنّ بمعنى اللفظ ، فيرجع حينئذٍ إلى استظهار شمول لفظ الفاحش لذلك ، ولا ينافيه العلم ببعض أفراده . لكن قد يمنع عليه دعوى الشمول ، خصوصاً والعمدة في معرفة المراد منه في خصوص الصلاة التي هي توقيفيّة فهم الأصحاب ، وقد عرفت أنّ المشهور بينهم بل لعلّه إجماع عدم البطلان بذلك ، فلا يكون من الفاحش ؛ إذ هم العمدة في أمثال ذلك لا سواد المتشرّعة وأعوامهم ( « 3 » ) الذين يعتقدون كثيراً ممّا يواظب عليه العلماء والأتقياء - لشدّة استحبابه أو للاحتياط فيه ، أو نحو ذلك - من الواجبات التي تفسد بتركها العبادات . وربّما يؤيّده [ / عدم كونه من الفاحش ] أنّ المشاهد حال الالتفات بالوجه خاصّة يميناً وشمالًا عدم الخروج به عن القبلة ، بل أقصاه توجّه النظر إلى الجهتين ، وإلّا فصفحة الوجه بل صفحتاه معاً إلى القبلة وإن لم يكن على الطريق المتعارف في استقبالهما ، فتأمّل جيّداً . بل لولا بعض النصوص السابقة وأكثر الفتاوى ومعاقد بعض الإجماعات لأمكن إرادة الالتفات بالكلّ من الفاحش ، بل ربّما احتمل عود الضمير في قوله عليه السلام : « بكلّه » إلى الالتفات ، فيكون المراد الكامل في التفاحش ، والإطلاق في الحسنة منصرف إليه ، وإن كان هو كما ترى ، كاحتمال عدم تقييد مفهوم الصحيح بمنطوق الحسن ؛ لعدم مقاومته له من هذه الجهة ، وستعرف ما فيه ، خصوصاً وهذا الحسن بمنزلة الصحيح ، بل لعلّه منه كما هو واضح . وبذلك كلّه ظهر لك البحث في جميع صور العمد .
هامش
( 1 ) الكفاية 1 : 119 . كشف اللثام 4 : 186 .
( 3 ) المدارك 3 : 462 . الأولى في التعبير : « وعوامّهم » .