. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
وقد يدفع : أوّلًا : بأنّه لا منافاة بين استحباب وضع اليدين فوق الركبتين وكون الانحناء فيها مساوياً لانحناء الرجل ، إلّا أنّها لا تتطأطأ كثيراً كما يستحبّ للرجل ؛ بأن تضع يديها على ركبتيها وتردهما إلى خلف لئلّا ترتفع عجيزتها ، فيكون إطلاق الأصحاب حينئذٍ بحاله . بل صرّح في جامع المقاصد ( « 1 » ) هنا أنّه لا فرق في التحديد المزبور بين الرجل والمرأة . وثانياً : بأنّه لا يتمّ بناءً على الوضع الشرعي للركوع ؛ إذ لا منافاة في وضعه للانحناءين الخاصّين بالنسبة إلى المكلّفين ، بل وإن لم نقل بالوضع الشرعي وقلنا بالمراد الشرعي ؛ إذ لا مانع من تكليف الرجال بهذا الفرد من الركوع والنساء بالفرد الآخر منه بعد أن كان في اللغة لمطلق الانحناء . إنّما يتّجه الإشكال - وينحصر الجواب حينئذٍ بالأوّل - إذا قلنا ببقاء الركوع على معناه اللغوي ، وأنّ هذا التحديد كاشف عنه ، وأنّه عبارة عن حالة خاصّة من التقوّس لا يختلف مسمّاها بالنسبة إلى المكلّفين . ولعلّه هو الأقوى في النظر ، خلافاً لظاهر بعض وصريح آخر ( « 2 » ) من ثبوت المعنى الشرعي له :
1 - لأصالة عدم النقل .
2 - ولسلب اسم الركوع عرفاً عن غيره من أفراد الانحناء ، أو عدم الحكم بكونه ركوعاً أو غير ركوع ، لكن لمّا كان هو غير منضبط ومعرفة أوّل أفراده في غاية الصعوبة على المكلّفين كالاقتصار على الفرد الأعلى - بل ربّما كان مثارة الوسواس من جهة الشكّ والالتباس - تلطف الشارع بحدٍّ له مبناه في الأصل على التقريب في حصول أوّل مسمّى الركوع ، إلّا أنّه صار بالأخرة على التحقيق بحيث لا يجوز النقص حتى لو فرض انكشاف صدق الاسم عليه ، فكان تحقيقاً في تقريب كتقدير الكرّ والمسافة والوجه ونحوها من التقديرات الشرعية . ولعلّ من نسبه إلى الشرع أراد ذلك لا المعنى الشرعي ولا المراد الشرعي على معنى معروفيّة غير هذا الفرد من الركوع ، إلّا أنّ الشارع أوجب هذا الفرد بالخصوص منه .
وربّما كان في عبارة الأردبيلي إشعار ببعض ما ذكرنا في الجملة ، حيث قال - في شرح عبارة الإرشاد : « ويجب فيه الانحناء » ( « 3 » ) إلى آخره - : « الظاهر أنّه به يتحقّق [ الركوع ] لا أنّه واجب من واجباته مثل الذكر ، قال المصنّف في المنتهى : ويجب فيه الانحناء بلا خلاف ؛ لأنّه حقيقته ، وقدر أن يكون بحيث يبلغ يداه إلى ركبتيه ، وهو قول أهل العلم كافّة إلّا أبا حنيفة فإنّه أوجب مطلق الانحناء » ( « 4 » ) . وربّما ظهر من مطاوي كلمات غيره أيضاً كالتذكرة ( « 5 » ) وغيرها ، فلاحظ وتأمّل . وكيف كان فظاهر المتن وغيره - كصريح البعض ( « 6 » ) ، بل المحكي عن الأكثر - أنّه لا يجب الوضع المزبور فعلًا ، بل في الذكرى ( « 7 » ) الإجماع كما عن غيرها نفي الخلاف فيه ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه ، بل ربّما يدّعى أنّ التأمّل في النصوص يقتضيه أيضاً . فمن الغريب ما في الحدائق ( « 8 » ) - وكم له - من الميل إلى وجوبه ، تمسّكاً بظاهر النصوص السابقة المساقة في بيان أكثر المندوبات .
( و ) لا إشكال في أنّ التحديد المذكور في النصّ والفتوى ومعاقد الإجماعات بالنسبة إلى مستوي الخلقة ؛ إذ هو المنساق إلى الذهن من أمثال ذلك في سائر المقامات .
هامش
( 1 ) جامع المقاصد 2 : 284 .
( 2 ) كشف الغطاء 3 : 194 .
( 3 ) الارشاد 1 : 254 .
( 4 ) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 252 .
( 5 ) التذكرة 3 : 165 .
( 6 ) الروض 2 : 719 .
( 7 ) الذكرى 3 : 365 .
( 8 ) الحدائق 8 : 240 .