. . . . . . . . . .
شرح
التنافي بين الوجوب المزبور والندب عقلًا ولا شرعاً .
قال في جامع المقاصد - بعد ذكره ذلك دليلًا للخصم وجوابه - : « إنّ الوجوب هنا يراد به أحد الأمرين : إمّا كونه شرطاً للشرعية مجازاً ؛ لمشاركته الواجب في كونه لا بدّ منه ، فمع المخالفة يأثم بفعل النافلة إلى غير القبلة . أو كون وجوبه مشروطاً بمعنى أنّه إن فعل النافلة وجب فعلها إلى القبلة ، فمع المخالفة يأثم بترك الاستقبال وبفعلها إلى غير القبلة معاً . وهذا المعنى يثبت على تقدير دلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « صلّوا كما رأيتموني اصلّي » على وجوب الاستقبال ، وإلّا فالمعنى الأوّل » « 1 » .
وفي بعض كلامه نوع تأمّل ، لكنّ الأمر سهل بعد ما عرفت . وقد يستدلّ أيضاً بعموم قوله تعالى :( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) *« 2 » الذي لا ينافيه خروج البعض للدليل .
نعم قد يشكل بظهور قول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة في أنّها مختصّة بالفريضة ، قال : « استقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلّب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، فإنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في الفريضة :( فَوَلِّ وَجْهَكَ ) *إلى آخره » « 3 » .
بل الظاهر أيضاً عدم الدلالة في الأمر بالاستقبال والنهي عن القلب في صدره ؛ لإرادة الفريضة من الصلاة فيه بقرينة الاستدلال ، وإمكان عموم الدعوى وخصوص الدليل تجشّم .
كما أنّه قد يقال بإرادة الفريضة من قوله عليه السلام في صحيحه [ زرارة ] أيضاً : « لا صلاة إلّا إلى القبلة » ؛ لقوله فيه : قلت : فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت ؟ قال : « يعيد » « 4 » .
لكن الإنصاف أنّه لا صلاحية فيه - خصوصاً بعد كونه من السائل - لصرف الظهور المستفاد من النكرة بعد « لا » النافية للجنس التي هي كالنصّ في إفادة العموم ، فدلالة هذا الصحيح على المطلوب لا ينبغي إنكارها . بل يمكن دعوى دلالة قوله عليه السلام أيضاً في صحيحه أيضاً : « لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود » « 5 » .
وذكر الوقت فيه - مع أنّ من النوافل ما هو موقّت أيضاً بحيث لو صلّى قبل الوقت مثلًا أعيد - لا يصلح قرينة لإرادة الفريضة ؛ ضرورة كون المراد منه حينئذٍ : والوقت فيما اعتبر الوقت فيه من الصلاة ، ولا يأتي مثله في القبلة ؛ لعدم معلوميّة كون محل النزاع ممّا لا يعتبر فيه القبلة من الصلاة .
بل من ذلك يظهر دلالة جملة من النصوص التي استدلّ بها على اشتراط القبلة في الفريضة ، وعلى أنّ الالتفات في الأثناء يبطلها ؛ للتعبير بلفظ الصلاة الشاملة للنافلة - لا الفريضة - في أكثرها ، وذكر بعض خواص الفريضة فيها كالوقت ونحوه لا يصلح مقيّداً لذلك ، فلاحظ وتأمّل .
بل مفهوم قول الصادق عليه السلام كما عن تفسير عليّ بن إبراهيم ، في قوله تعالى :( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ): « إنّها نزلت
هامش
( 1 ) جامع المقاصد 2 : 60 .
( 2 ) البقرة : 144 ، 150 .
( 3 ) الوسائل 4 : 312 ، ب 9 من القبلة ، ح 3 .
( 4 ) المصدر السابق : ح 2 .
( 5 ) المصدر السابق : ح 1 .