. . . . . . . . . .
شرح
ما يشملها من العلم في نحو قولهم : « لا يجوز التعويل على الظنّ في القبلة مع التمكّن من العلم » ، وأنّ المراد الاجتهادي من الظنّ فيها لا مثل الظنّ الحاصل منها الذي قد عرفت الدليل من النصّ والإجماع على العمل به ، فتأمّل . ومن ذلك يعرف ما في المحكي عن فوائد القواعد في تفسير عبارتها المذكورة سابقاً من أنّ « المراد بالعلم بها للبعيد استفادتها من محراب المعصوم أو قوله ، ومع تعذّره يرجع إلى ما نصبه الشارع علامة وإن كان بعضه مفيداً للعلم ، إلّا أنّه لا يرجع إليه حينئذٍ مطلقاً ؛ لما تحقّق من عدم جواز الاجتهاد بتلك العلامات بما يخالف محراب المعصوم » « 1 » ، فإنّ فيه نظراً من وجوه . وكذا ما في جامع المقاصد في شرح العبارة المزبورة أيضاً من أنّ « أكثر ما سبق من العلامات يفيد القطع بالجهة في الجملة ، فكان حقّ العبارة أن يقول : فإن جهلها عوّل على ما يفيد القطع من العلامات ، ثمّ على ما يفيد الظنّ » ثمّ قال : « ويمكن أن يقال : العلامات المذكورة وإن أفاد بعضها القطع بالجهة في الجملة ، إلّا أنّها بالإضافة إلى نفس الجهة إنّما تفيد الظنّ ؛ لأنّ محاذاة الكواكب المخصوصة على الوجه المعيّن مع شدّة البعد إنّما يحصل به الظنّ ، فيندرج الجميع فيما وضعه الشارع أمارة » « 2 » . بل وما في فوائد الكتاب في شرح المتن من أنّ « المراد من جهلها على وجه لا يستطيع معرفتها بالعلامات المثمرة لليقين ، كمحاذاة الجدي والمشرق والمغرب مثلًا ، فإنّ هذه محصّلة لليقين في الجملة وإن لم يحصل بها نفس السمت يقيناً » ثمّ قال : « والمراد بالأمارات المفيدة للظنّ نحو الضوء الكثير آخر النهار في يوم الغيم المفيد للظنّ أنّ ذلك الجانب هو المغرب » « 3 » . ولقد أصاب فيما ذكر أنّه المراد بالأمارات وإن كان في تعليله السابق نظر ، كالذي في المسالك ، قال في شرح المتن : « ليس المراد بالأمارات هنا ما هو مذكور في كتب الفقه لتحصيل الجهة كالجدي ونحوه ، فإنّ تلك مفيدة للعلم بالجهة إذا أحرزت على وجهها ، بل المراد بالأمارات المفيدة للظن الرياح الأربع ومنازل القمر ونحوهما ممّا لا ينضبط غالباً ، فإنّهم جوّزوا التعويل عليها عند تعذّر غيرها من الأمارات المفيدة للعلم بالجهة كالكواكب . أمّا الرياح فإنّما تكون علامة عند تحقّقها ، ولا يكاد يتّفق لغير الماهر في معرفة طبائعها ومنازلها ومثار أفعالها إلّا مع العلم بالجهات الأربع ، ومعه يستغنى عن الاستدلال بها .
وأمّا القمر فإنّه يكون ليلة سبع من الشهر في قبلة العراقي أو قريباً منها عند المغرب ، وليلة الرابع عشر منه نصف الليل ، وليلة الحادي والعشرين عند الفجر ، إلّا أنّ ذلك كلّه تقريبي لا يستمرّ على وجه واحد ؛ لاختلاف حركات القمر ، فلذلك اشترط التعويل عليها بفقد العلامات الثابتة كالجدي » « 4 » . وقد تبع فيما ذكره أخيراً ما في جامع المقاصد ، حيث قال بعد ما ذكر جملة من الكلام :
« فيستفاد من قول العلّامة : « والقادر على العلم . . . إلى آخره » ، أنّ القادر على القبلة [ بالجدي ] حال استقامته مثلًا لا يكفيه التعويل على كون القمر ليلة السابع من الشهر في وقت المغرب محاذياً لقبلة المصلّي ، وليلة الرابع عشر منه نصف الليل ؛ وليلة الحادي والعشرين منه عند الفجر ، فإنّه ينتقل في المنازل ، فيغرب في ليلة كونه هلالًا على نصف سبع الليل ؛ لأنّ ذلك تقريبي يزيد وينقص » 5 ، إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا يخفى عليك ما فيها بعد الإحاطة بما قدّمنا .
وكيف كان ف [ - لا ريب في تقدّم الأمارات على الاجتهاد ] .
هامش
( 1 ) فوائد القواعد : 155 .
( 2 ) 2 ، 5 جامع المقاصد 2 : 69 .
( 3 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 126 .
( 4 ) المسالك 1 : 115 .