[ استحباب التياسر لأهل العراق ] :
[ والظاهر ] أنّه ( يستحبّ لهم ) أي العراقيين ( التياسر إلى يسار المصلّي منهم قليلًا ) ( 1 ) .
شرح
( 1 ) ضرورة أنّه لولا التسامح المزبور أمكن الإشكال على هذا الحكم بما عن أفضل المحقّقين نصير الملّة والدين لمّا حضر مجلس درس المصنّف يوماً واتّفق الكلام في هذه المسألة من « أنّ التياسر أمر إضافي لا يتحقّق إلّا بالإضافة إلى صاحب يسار متوجّه إلى جهة ، فإن كانت تلك الجهة محصّلة لزم التياسر عمّا وجب التوجّه إليه ، وهو حرام ؛ لأنّه خلاف مدلول الآية ، وإن لم تكن محصّلة لزم عدم إمكان التياسر ؛ إذ تحقّقه موقوف على تحقّق الجهة التي يتياسر عنها » « 1 » ، فكيف يتصوّر الاستحباب ؟ بل المتّجه حينئذٍ وجوب التياسر المحصّل لها . إذ التحقيق في جوابه - بناءً على كون القبلة الكعبة للبعيد لا الحرم ، وعلى أنّ الحكم استحباب لا وجوب - أنّ المراد استحباب التياسر عن الجهة المدلول عليها بالعلامات التقريبيّة حينئذٍ . ولعلّه لأنّه أكمل في المحاذاة المعتبرة التي قد سمعت تفسير الجهة بها ؛ ضرورة عدم دوران الأمر بين حصول المعتبر من المحاذاة وعدمه كي يتّجه الإشكال المزبور .
ودعوى معلوميّة انعدام حصول المحاذاة في البعيد بأدنى انحراف ، يدفعها - بعد إمكان منعها - : أنّه كذلك في المحاذاة التحقيقيّة لا التقريبيّة . نعم قد يشكل ذلك بأنّه مخالف للنصوص الواردة في المقام التي هي مستندهم لهذا الحكم بحسب الظاهر :
1 - كخبر المفضّل بن عمر : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه ؟ فقال : « إنّ الحجر الأسود لمّا انزل به من الجنّة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر ، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال ، كلّه اثنا عشر ميلًا ، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة ؛ لقلّة أنصاب الحرم ، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجاً عن حدّ القبلة » « 2 » .
2 - ومرفوع عليّ بن محمّد : قيل لأبي عبد اللّه عليه السلام : لِمَ صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار ؟ فقال : « لأنّ للكعبة ستّة حدود ، أربعة منها على يسارك ، واثنان منها على يمينك ، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار » « 3 » .
ولا منافاة بينه وبين سابقه بعد إرادة الأميال الثمانية والأربعة من الحدود الأربعة والاثنين فيه .
3 - والمحكي عن فقه الرضا عليه السلام : « إن أردت توجّه القبلة فتياسر مثل ما تتيامن ؛ فإنّ الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال » « 4 » .
ضرورة ظهور الجميع في أنّ التياسر للوقوع في الحرم .
ومن هنا بنى المصنّف هذا الحكم - في رسالته « 5 » المعمولة في هذه المسألة التي عرضها على المحقّق المزبور فاستحسنها - وتبعه غيره على القول بأنّ القبلة للبعيد الحرم لا الكعبة ، فيتّجه حينئذٍ ردّه أو التوقّف فيه ممّن لا يقول بذلك ، بل وممّن قال به :
1 - لضعف المستند .
هامش
( 1 ) نقله في المهذب البارع 1 : 312 .
( 2 ) الوسائل 4 : 305 ، ب 4 من القبلة ، ح 2 .
( 3 ) المصدر السابق : ح 1 .
( 4 ) فقه الرضا عليه السلام : 98 . والمستدرك 3 : 180 ، ب 3 من القبلة ، ح 1 ، وفيه : « فتياسر مثلي ما تيامن » .
( 5 ) رسالة تياسر القبلة ( الرسائل التسع ) : 328 .