تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
. . . . . . . . . .
شرح
وإن فرّق بينهما في المحكيّ عن الروض ، وقال : إنّ أوّلهما قريب ممّا في المعتبر « 1 » . وقد حكى في جامع المقاصد عن التذكرة ما سمعته ، ونظر فيه بوجهين : أحدهما : ما عرفته من صلاة الصفّ المستطيل المتصل بمحراب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والثاني : أنّ البعيد لا يشترط في صحّة صلاته ظنّه محاذاة الكعبة ؛ لأنّ ذلك لا يتّفق غالباً ، فإنّ البعد الكثير يخلّ بظنّ محاذاة الجرم اللطيف ، فيمتنع اشتراطه في الصلاة « 2 » . قلت : يمكن على بُعدٍ إرجاعه إلى ما ذكرنا من إرادة أنّه بسبب صورة استقباله لها يتراءى له حتى يظنّ - أي يحتمل - أنّ الكعبة ، في كلّ خطّ من خطوطه في نفسه وحدّ ذاته ، وإلّا فقد يقطع بالعدم من جهة أمر خارجي وإن بقي صورة الاستقبال المورث للاحتمال لولا سبب العلم من خارج ، فتأمّل . وكذا الكلام في تعريفها في الذكرى والمحكي عن الجعفرية من « أنّها السمت الذي يظنّ كون الكعبة فيه » « 3 » لا مطلق الجهة . وأغرب ما وقع في تفسير الجهة ما يحكى عن المقداد والمحقّق الثاني في شرح الألفيّة . قال أوّلهما : « جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خطّ مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليّين ، ويمرّ بسطح الكعبة ، فالمصلّي حينئذٍ يفرض [ من ] نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخطّ ، فإن وقع عليه على زاوية قائمة فذاك هو الاستقبال ، وإن كان على حادّة ومنفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب » « 4 » . وفيه : أنّه لا يصدق عليه استقبال الكعبة عرفاً ولا شرعاً ؛ إذ هذا الخطّ ليس كعبة كي يكون استقباله استقبالها . وقال ثانيهما : « إنّها ما يسامت الكعبة عن جانبيها ، بحيث لو خرج خطّ مستقيم من موقف المستقبل تلقاء وجهه وقع على خطّ جهة الكعبة بالاستقامة ، بحيث يحدث عن جنبيه زاويتان قائمتان ، فلو كان الخطّ الخارج من موقف المصلّي واقعاً على خطّ الجهة لا باستقامة بحيث تكون إحدى الزاويتين حادّة والأخرى منفرجة فليس مستقبلًا لجهة الكعبة » « 5 » . وظنّي أنّ الذي أوقع هؤلاء الفضلاء في مثل هذا الوهم التعبير بلفظ الجهة ، ولو أنّهم عبّروا بما في النصوص من أنّه يجب على كلّ أحد استقبال الكعبة ، وأنّه لا يقبل اللَّه من أحد توجّهاً إلى غيرها ، وأنّها هي قبلة المسلمين لم يقع أحد منهم في هذا الوهم ؛ ضرورة كون المدار على صدق الاستقبال . وإن اختلفت أفراده مصاديقه بحسب القرب والبعد ، وليس استقبال الجهة بالمعنى المزبور منها قطعاً ؛ ضرورة اجتماعها مع فرض كون الكعبة على اليمين والشمال للبعيد من حيث كونه بعيداً ، كما هو واضح بأدنى تأمّل . وأمّا ما في الروضة وعن غيرها من تعريفها بأنّها « القدر الذي يجوز على كلّ جزء منه أنّ الكعبة فيه ، ويقطع بعدم خروجها عنه لأمارة شرعيّة » « 6 » . فقريب الانطباق على ما ذكرنا بعد إرادة المنشئيّة - بسبب الاستقبال الصوري - من التجويز والقطع . وبه يندفع ما يورد على طرده بفاقد العلامات أصلًا ؛ لتجويزه على كلّ جزء من جميع الجهات أنّه الكعبة ، فينبغي اكتفاؤه بصلاة واحدة إلى أيّ جهة شاء ، وكذا من قطع بنفي جهة أو جهتين وشكّ في الباقي ، فإنّه يصدق عليه التعريف المزبور وليس بجهة القبلة ؛ ضرورة أنّه بناءً على إرادته ما ذكرنا لا يرد عليه شيء من ذلك . بل ولا يرد عليه أيضاً أنّه يجتمع فيه العلم والاحتمال في محلّ واحد ؛ ضرورة اختلاف المتعلّق ، فإنّ محلّ العلم - حيث لا يكون مشخّصاً بدلالة معصوم ونحوه - الفرد المنتشر على البدل ، والاحتمال الجميع .
هامش
( 1 ) الروض 2 : 514 . ( 2 ) جامع المقاصد 2 : 48 . ( 3 ) الذكرى 3 : 160 . الجعفرية ( رسائل الكركي ) 1 : 103 . ( 4 ) التنقيح 1 : 178 . ( 5 ) شرح الألفية ( رسائل الكركي ) 3 : 241 - 242 . ( 6 ) الروضة 1 : 190 .