تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
[ و ] لا ريب في توقّف صدق الاستقبال للشيء عرفاً على حصول المقابلة له من المستقبِل ، وإلّا لم يكن مستقبِلًا له قطعاً ، والظاهر اعتبار ذلك فيما نحن فيه أيضاً من غير فرق بين القريب والبعيد في ذلك . نعم لا يعتبر في الصدق المزبور وقوع خطّ المستقبِل حال استقباله على المستقبَل - بالفتح - مطلقاً ( 1 ) . ومن أراد معرفة ذلك فليعتبر بالأنجم والنقط الموهومة لقطب الجنوب والشمال وبغيرها من الأجرام التي تشاهد من بعد ، ويصدق استقبالها على الأشخاص الكثيرة القائمة على خطّ مستوٍ زائد على عرضها أضعافاً مضاعفة ، فإنّ اتصال جميع الخطوط به حينئذٍ محال ، كما هو واضح ( 2 ) . ومن ذلك ينقدح أنّ من بعد عن الكعبة بعداً لا تغيب عن مشاهدته لا يعتبر في استقباله العلم باتصال خطّ موقفه بها ( 3 ) . فمن كان قريباً منها بحيث ينتفي عنه اسم الاستقبال بمجرّد عدم اتصال خطّ موقفه بها وجب عليه مراعاة الاتصال المزبور ، ومن لم يكن كذلك ، بل كان يصدق عليه أنّه مستقبل لها وإن لم يعلم اتّصال خطّ موقفه ، بل وإن علم العدم لم يعتبر فيه ذلك ( 4 ) . نعم لمّا كان البعيد بسبب زيادة البعد وغيبوبة المستقبل عن المشاهدة لم يكن له طريق إلى إحراز هذه المقابلة - أي مقابلة البعيد من حيث كونها مقابلة بعيد ، التي قد عرفت عدم اعتبار اتصال الخطوط فيها - إلّا
شرح
( 1 ) ضرورة تحقّقه عرفاً في المشاهد من الأجرام من بُعد وإن قطعنا بعدم اتّصال جميع الخطوط بها . ( 2 ) ولقد أومأ إلى ذلك ما سمعته « 1 » من الذكرى تبعاً للمحكي عن نهاية الإحكام من « أنّ الجرم الصغير كلّما ازداد بعداً ازداد محاذاة » « 2 » ؛ ضرورة عدم إرادة ذات اتصال الخطوط من المحاذاة . ( 3 ) ولا ينافيه تسالم الأصحاب على وجوب استقبال العين للمشاهد أو القريب ؛ إذ الظاهر أنّ مدارهم في ذلك على الصدق المزبور ، من غير مدخليّة للمشاهدة والقرب النسبي وعدمهما . ( 4 ) ضرورة أنّه ليس في الأدلّة إلّا الأمر بالاستقبال الذي قد فرض صدقه ، فالمشاهدة وعدمها لا مدخلية لها قطعاً . ودعوى أنّه ليس صدقاً حقيقيّاً ، بل هو مسامحة عرفيّة يكذّبها الوجدان والعمل ، كدعوى أنّ ذلك مسلّم مع المشاهدة للجرم من بُعد . أمّا مع غيبوبته عن البصر بسبب زيادة البعد فلا مقابلة صوريّة يتحقّق بها صدق الاستقبال عرفاً ؛ إذ من الواضح أنّ المقابلة المزبورة ليست وهميّة محضة تحصل بسبب الإبصار واتصال شعاع البصر ، بل هي شيء متحقّق في نفس الأمر يحصل تصوّره مع فرض قطع النظر عن الإبصار أصلًا ، فيكفي في الصدق عرفاً تقدير الإبصار ، بمعنى أنّها تصدق المقابلة بمجرّد فرض فضاء الكعبة المتصل إلى عنان السماء ممّا يرى ويشاهد ، كما هو واضح بأدنى تأمّل . بل ربّما ادعي إمكان مشاهدته من جهة علوّه وارتفاعه واتصاله بعنان السماء ، إلّا أنّه لا يشخّص لاشتباهه في غيره فوضعت هذه العلامات لتمييزه من بينها ولو على جهة الظنّ ، فهو حينئذٍ كالمشاهد المستقبل من بعد وإن كان فيها ما فيها . وعلى كلّ حال فليس المدار حينئذٍ في القريب والبعيد إلّا استقبال الكعبة التي لم يقبل اللَّه من أحدٍ توجّهاً إلى غيرها .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 238 . ( 2 ) نهاية الإحكام 1 : 393 .