تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
باستعمال الأمارات الهيئيّة ( 1 ) ، فهي حينئذٍ بالنسبة إلينا لا تفيد إلّا الظنّ في حصول الجهة ، بمعنى المقابلة المزبورة ، ولعلّها كذلك لأهلها أيضاً ( 2 ) . نعم ربّما يحصل العلم للمتوغّل في معرفتها ، الآمن على نفسه الخطأ في كيفيّة الاستعلام بها . كما أنّه ربّما يحصل العلم بالجهة المزبورة بفعل المعصوم ، المعلوم تنزيهه عن الخطأ في تحصيل الجهة المذكورة ( 3 ) . لكنّ المراد العلم بحصول الجهة بالمعنى المذكور أي مقابلة البعيد للكعبة من غير اعتبار اتصال الخطوط ( 4 ) .
شرح
( 1 ) لانحصار حصول الظنّ - الواجب مراعاته بعد انتفاء العلم بسبب الأمر بتحرّي القبلة على حسب الجهد والطاقة - غالباً بها . ( 2 ) ضرورة توقّفها على إرصاد وإعمال لا يأمن الخطأ فيها مستعملها . ( 3 ) لما فيه من النقص المنفّر للطباع عنه كالتحيّر في تحصيل القبلة ، ويكفي في النقص عليه معرفة خطئه في ذلك ، ولو عند علماء الهيئة العارفين في تحصيل الجهة ، وكيف يجوّز عاقل قصور سلطان الخلق عن معرفة بعض ما عند رعيّته ؟ وربّما أدّى ذلك إلى السخرية عليه والاستخفاف به عند أهل الفنّ المزبور ، خصوصاً إذا أخطأ بالاستدبار ونحوه . فمن الغريب تخيّل بعض الناس « 1 » جواز الخطأ عليه في ذلك وأنّه ممّن هو مكلّف باستعمال الأمارات الظنيّة كتكليفه بالحكم بالبيّنة واليمين والشاهد وغيرهما من الأحكام الظاهريّة ؛ ضرورة وضوح الفرق بين ما كان خطأه فيه لقصور في معرفة العلم المؤدّي لذلك ، وبين ما لا يكون كذلك ، فإنّ النقص الواجب تنزيهه عنه متحقّق في الأوّل ، بخلاف الثاني ، فإنّه لا نقص عليه بذلك حتى لو علم بالعلم الإلهي الخارج عن طريق البشر خلاف ما حكم به ، فإنّ الظاهر عدم تكليفهم عليهم السلام بالعلم المزبور ، كما يشهد له تصفّح أفعالهم الواقعة منهم عليهم السلام كخروج الحسين عليه السلام إلى كربلاء وغيره ممّا يجب عليهم التحرّز منه لو أنّهم مكلّفون بالعلم المزبور ؛ لما ثبت متواتراً « 2 » أنّهم كانوا عالمين بجميع ما وقع عليهم قبل وقوعه ، لكنّه بالطريق الإلهي الخارج عن مقتضى الطاقة البشريّة التي هي مدار التكاليف . وبالجملة : لا ريب في حصول النقص بالخطإ المذكور . ولعلّه من هنا ذكر غير واحد من الأصحاب أنّ محراب المعصوم عليه السلام - الثابت نصبه منه ، أو صلاته فيه من غير انحراف مثلًا بالتواتر ونحوه - ممّا يفيد العلم . بل أرسله [ الأصحاب ] إرسال المسلّمات ، وهو كذلك ؛ لما عرفت . ( 4 ) ضرورة عدم التكليف بذلك بنصّ الآية والرواية ، وليس هو من الأحكام العذريّة ، بل بناء التكليف من أوّل الأمر على ذلك ، فلا بأس بصلاة المعصوم عليه السلام في أمكنة متعدّدة متساوية في الخطّ أوسع من عرض الكعبة ، بحيث يقطع بعدم اتصال الخطوط بها بعد حصول المقابلة المزبورة . وما ورد « 3 » في محراب المدينة من أنّه زويت له صلى الله عليه وآله وسلم الأرض حتى نصبه بإزاء الميزاب - مع إمكان حمله كما في جامع المقاصد « 4 » على إرادة المقابلة المزبورة لا المحاذاة المعتبر فيها اتصال الخطوط - غايته علمه صلى الله عليه وآله وسلم بالعين ، ولا يدلّ على وجوب توجّهه [ صلى الله عليه وآله وسلم ] إليها فضلًا عن غيره . فما في القواعد من « أنّ المصلّي بالمدينة ينزّل محراب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في مسجدها منزلة الكعبة » « 5 » لا يريد به وجوب استقباله حيث يشاهد ، وبطلان صلاة من لم يحاذه ؛ لفساده ضرورة ، بل بمعنى أنّه دليل قطعي على حصول مقابلة الكعبة بالمعنى المذكور ، بحيث لا يجوز فيه الاجتهاد يميناً وشمالًا ، كباقي المحاريب المنصوبة بالأمارات الهيئيّة المحتمل تطرّق الخطأ إليها .
هامش
( 1 ) كشف الغطاء 3 : 114 . ( 2 ) انظر الكافي 1 : 260 . ( 3 ) وفاء الوفاء باخبار دار المصطفى 1 : 365 - 366 . البحار 84 : 54 ، ذيل الحديث 6 . ( 4 ) جامع المقاصد 2 : 52 . ( 5 ) القواعد 1 : 251 .