تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
. . . . . . . . . .
شرح
يفيء » : إذا رجع ، وقد يطلق على مجموع الأمرين ، وإن كان ربما قيل نقلًا عن إرشاد الجعفرية : « إنّ الظلّ ما يكون من أوّل النهار إلى زوال الشمس ، والفيء من حين الزوال إلى الغروب » « 1 » ، وإليه يرجع ما في حواشي الشهيد من : « أنّ الظلّ ما تنسخه الشمس والفيء ما ينسخ الشمس » « 2 » . إلّا أنّ الإنصاف عدم التزام ذلك في الإطلاقات كما لا يخفى ، بل لا يبعد أنّه في العرف للأعمّ منهما . ثمّ إنّ اشتراك هذه الألفاظ بين هذه المعاني صار سبباً لاشتباه الأمر في المقام ، وحينئذٍ فيكون مراد السائل أنّه ما معنى ما جاء في الحديث من تحديد أوّل وقت الظهر والعصر تارةً بصيرورة الظلّ قامة وقامتين ، وأخرى بصيرورته ذراعاً وذراعين ، وأخرى قدماً وقدمين ، وجاء من هذا القبيل مرّة ومن هذا أخرى ؟ فمتى هذا الوقت الذي يعبّر عنه بألفاظ متباينة المعاني ؟ وكيف يصحّ التعبير عن شيء واحد بمعانٍ متعدّدة ، مع أنّ الظلّ الباقي عند الزوال قد لا يزيد على نصف القدم ؟ فلا بدّ من مضيّ مدّة مديدة حتى يصير مثل قامة الشخص ، فكيف يصحّ تحديد أوّل الوقت بمضيّ مثل هذه المدّة الطويلة من الزوال ؟ فأجاب عليه السلام بأنّ المراد بالقامة - التي يحدّ بها أوّل الوقت التي هي بإزاء الذراع - ليس قامة الشخص الذي هو شيء ثابت غير مختلف ، بل المراد مقدار ظلّها الذي يبقى على الأرض عند الزوال الذي يعبّر عنه بظلّ القامة ، وهو يختلف بحسب الأزمنة والبلاد ، مرّة يكثر ومرّة يقلّ ، وإنّما يطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعاً ، فإذا زاد الفيء - أعني الذي يزيد من الظلّ بعد الزوال - بمقدار ذراع حتى صار مساوياً للظلّ فهو أوّل الوقت للظهر ، وإذا زاد ذراعين فهو أوّل الوقت للعصر ، وأمّا قوله عليه السلام : « فإذا كان ظلّ القامة أقلّ أو أكثر . . . إلى آخره » ، فمعناه أنّ الوقت إنّما يضبط حينئذٍ بالذراع والذراعين خاصّة دون القامة والقامتين . وأمّا التحديد بالقدم فأكثر ما جاء في الحديث فإنّما جاء بالقدمين والأربعة ، وهو مساوٍ للتحديد بالذراع والذراعين ، وما جاء نادراً بالقدم والقدمين فإنّما أريد بذلك تخفيف النافلة وتعجيل الفريضة طلباً لفضل أوّل الوقت فالأوّل ، ولعلّه عليه السلام لم يتعرّض للقدم عند تفصيل الجواب لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك ، وأنّه إنّما كان أكثر اهتمامه بتفسير القامة وطلب العلّة في تأخير أوّل الوقت إلى ذلك المقدار . وحينئذٍ لا يكون في الخبر غبار ولا إجمال ، ولا شيء ممّا يرد على تفسير الشيخ له ، وإن ردّه غير واحد من الأصحاب لذلك . نعم يصير جزئيّاً مختصّاً بزمان خاصّ ومخاطب مخصوص ، ولا بأس بذلك . فإن قيل : اختلافُ وقتي النافلة في الطول والقصر بحسب الأزمنة والبلاد ، وتفاوتُ حدّ أوّل وقتي الفريضتين التابع لذلك لازم على أيّ التقادير ؛ لما هو معلوم من سرعة تزايد الفيء تارةً ، وبطئه أخرى ، فالذراع حيث يكون الباقي من الظلّ قليلًا غيره إذا كان كثيراً . قلنا : نعم ذلك كذلك ، ولا بأس به ؛ لأنّه تابع لطول اليوم وقصره كسائر الأوقات في الأيام والليالي . كما أنّه لا يكون هذا الخبر حينئذٍ منافياً للمختار بوجه من الوجوه ؛ ضرورة كونه حينئذٍ كأخبار الذراع ونحوه ممّا هو وارد في تحديد أوّل الوقت الأوّل ، لا آخره كي ينافي المثل والمثلين كما ستعرفه مفصّلًا . وكيف كان ف [ - ابتداء التقدير إنّما هو من أوّل الفيء الحادث ، لا منه ومن الظلّ الباقي ] .
هامش
( 1 ) نقله في مفتاح الكرامة 2 : 19 - 20 . ( 2 ) المصدر السابق : 20 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 109 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي