. . . . . . . . . .
شرح
ولا ريب أنّ للبول مع ذلك أثراً باقياً محسوساً ، فإذا كان المطر قليلًا لا يبلغ حدّ الجريان لزمه التغيّر فينجس به دون الملاقاة . ولإرادة التدافق والتكاثر منه احترازاً عن القطرات اليسيرة التي لا يعتدّ بها . ولإرادة نفي البأس حال جريانه ونزوله ، والغرض المنع عن أخذه بعد الانقطاع ، بناءً على عدم طهارة السطح بمجرّد وصول ماء المطر إليه ، فإنّه إذا لم يطهر به وبقي فيه شيء بعد الانقطاع نجس بمحلّه النجس ، فلم يجز استعماله في الطهارة . ولإرادة النزول من السماء على أن يكون مراداً به التعليل لا الشرط حتى يرد عليه أنّه لا طائل تحته .
5 - على أنّ أقصاه ثبوت البأس الذي هو أعمّ من المنع ؛ إذ لعلّ وجهه توقّف النظافة . بل لو سلّم إرادة المنع منه فهو أعمّ من النجاسة ؛ إذ لعلّه لكونه بعد الانقطاع غسالة غير رافعة للحدث .
6 - بل ظاهر الصحيح المذكور إناطة بعض الأحكام بالجريان ، وهو لا ينافي ثبوت غيره .
7 - بل ربّما قيل : إنّه لا يراد منه الشرط هنا [ / طهارة ماء المطر ] قطعاً ؛ ضرورة أنّه إذا لم يكن طاهراً لم يطهّره الجريان .
لكن قد يدفعه : أنّ الخصم لا يلتزم نجاسته لو باشر نجاسة قبل أن يجري ؛ حتى يرد عليه عدم معقوليّة الطهارة بالجريان ، بل حكي « 1 » الإجماع على عدم ذلك . بل لعلّه يقول : إذا جرى انكشف أنّه من الماء الذي لا يقبل النجاسة بالملاقاة ، نظير المختار بالنسبة للقطرات اليسيرة ابتداءً ، فإنّه ينكشف عدم قابليّتها للنجاسة إذا تواتر بعدها المطر وقوي مثلًا ، لا أنّها تنجس ابتداءً ، فيسقط حينئذٍ ردّ الصحيح من هذا الوجه . بل قد يناقش في بعض ما تقدّم من الوجوه السابقة أيضاً ، إلّا أنّ ذلك لا يقدح في جميع ما سمعت ؛ إذ البعض كافٍ حينئذٍ . كما أنّه يكفي في ردّ ما عساه يتمسّك به لمن اعتبر الكثرة الموجبة للجريان تقديراً - من صحيح هشام بن سالم المتقدّم سابقاً ، فإنّ قوله عليه السلام فيه : « ما أصابه من الماء أكثر » « 2 » بمنزلة التعليل لنفي البأس ، فيفهم منه ثبوته إذا لم يكن كذلك [ أكثر ] - أن يقال :
1 - إنّ المراد بالأكثرية هنا القهر والغلبة دون المقداريّة ؛ إذ البول الجاف لا مقدار له .
2 - على أنّ أكثرية الماء من البول لا تقتضي تحقّق الجريان فيه ؛ إذ ربّما لم يجر وهو أكثر منه .
3 - ومحتمل لرجوع ضمير « أصابه » إلى الثوب ، أي أنّ القطرات الواصلة للثوب أكثر من البول الذي أصابه .
4 - بل قد يقال : إنّ انتفاء العلّة المنصوصة لا يقتضي انتفاء المعلول وإن كان اطّرادها يقتضي اطّراده ، بناءً على حجّية منصوص العلّة ، إلى غير ذلك . وكذا ما يتمسّك به للقائل بطهارة القطرة والقطرات - من عموم مرسل الكاهلي « 3 » - يدفعه : المنع من تسميته ماء مطر . كما أنّه يدفع ما يقال - لو نجست القطرة بالملاقاة لنجس الأكثر بذلك أيضاً ؛ إذ المطر ليس إلّا قطرات متعدّدة - :
إنّه من الجائز تقوّي القطرة باتّصال التقاطر ، كتقوّي الجرية باتّصال الجاري ، وهو واضح .
فظهر لك من ذلك كلّه بحمد اللَّه أنّ التحقيق كونه كالجاري ، جرى حقيقة أو حكماً أو لم يجر .
هامش
( 1 ) مصابيح الأحكام : 34 .
( 2 ) الوسائل 1 : 144 - 145 ، ب 6 من الماء المطلق ، ح 1 .
( 3 ) المصدر السابق : 146 ، ح 5 .