تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
. . . . . . . . . .
شرح
ومع ذلك كلّه يشهد له التتبّع لكلمات الأصحاب مع التأمّل فيها والتدبّر ، حتى عبارة السرائر السابقة ، منها : ما في النافع والكتاب والتحرير والدروس بل والإرشاد « 1 » ؛ لإطلاقهم عدم طهارة المستهلك ، وتصريح بعضهم بخلاف الشيخ وأنّه متروك ولا وجه له ، خصوصاً وعبارة الشيخ لا صراحة فيها بإرادة انقلاب ذلك الخمر الباقي ؛ لاحتمالها إرادة الممزوج منه ، قال فيها [ في النهاية ] : « إذا وقع شيء من الخمر في الخلّ لم يجز استعماله إلّا بعد أن يصير ذلك الخمر خلّاً » « 2 » بجعل الإشارة فيها إليه ، فعدّه حينئذٍ مخالفاً كالصريح فيما قلنا . واحتمال إرادة الإرشاد ونحوه الردّ بذلك على أبي حنيفة القائل بالطهارة والحلّية بالاستهلاك ، يدفعه : الملاحظة له ولغيره مع التأمّل والتدبّر . ومع ذلك كلّه فهو الموافق لمقتضى الأدلّة ؛ ضرورة اقتضاء الأصل عدم طهارة الخلّ المتنجّس بالخمر ؛ لفقد سائر المطهّرات بل ولا الخمر كما في شرح الأستاذ : « لأنّها وإن استهلكت في الخلّ إلّا أنّ الخلّ نجس ، فهي مستهلكة في الشيء النجس ، فيكون نجسة البتّة ؛ لأنّها صارت خلّاً نجساً » « 3 » انتهى ، السالم عن معارضة ما دلّ على طهارة الخمر بالتخليل القاضي بطهارة ما يعالج به تبعاً ، حتى صحيح ابن المهتدي بعد تنزيله على المتعارف المعتاد من عدم استهلاك المعالَج بالمعالج به ليكون تابعاً له . بل هو المنساق من تلك الأخبار [ أي خبر زرارة وجميل وأبي بصير وابن المهتدي ] ؛ ضرورة ظهورها - حتى الصحيح 6 / 290 / 456 السابق - في بقاء الموضوع المنقلب إلى الخلّ لا مع هلاكه . بل خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام كالصريح في ذلك ، قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الخمر يصنع فيها الشيء حتى تحمض ؟ قال : « إذا كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس » « 4 » . بل خبره الآخر المتقدّم « 5 » سابقاً كذلك إن قرئ : « يقلبها » فيه بالغين المعجمة . بل هو بعد الاستهلاك لا يصدق عليه اسم الخمر حتى يتحقّق الانقلاب والتحوّل والاستحالة ؛ لصيرورته خلّاً وإن لم يكن باستحالة وانقلاب ؛ إذ سلب اسم الخمرية عنه وتسميته خلّاً أعمّ منهما ، والاكتفاء بالانقلاب التقديري الفرضي لا دليل عليه ، بل ظاهر الأدلّة خلافه . كظهورها في عدم الاكتفاء بالاستهلاك من غير انقلاب حتى باعتراف الخصم ، ولذا اعتبر مضيّ زمان ينقلب فيه مثله . على أنّ طهارة الخمر بالخلّ مخالفة للضوابط ، ولذلك اختصّ به من بين المائعات ، فينبغي الاقتصار فيها على المتيقّن . بل لعلّ التأمّل الجيّد يشرف الفقيه الماهر على القطع بعدم طهارة الكثير جدّاً من الخلّ بتبعيّته لانقلاب قطرة خمر وقعت فيه واضمحلّت في أجزائه . بل قد يقال : إنّه لا يمكن حصول اليقين بصيرورته [ الخمر ] خلّاً طبيعة ؛ إذ لعلّ هذا الاستهلاك والحموضة العارضة من الخلّ تمنع من ذلك . كما أنّ ترك الأمر به في كثير من الأخبار - مع سهولته ، وإمكان تطهير أكثر أفراد الخمر به لتيسّر إهلاكه بالخلّ في غالب الأوقات - أوضح شاهد على ما ذكرنا [ من عدم طهارة الخلّ بوقوع الخمر فيه ولو قليلًا وإن استهلك فيه ] . إلى غير ذلك من المؤيّدات الكثيرة الظاهرة بالتأمّل في الأدلّة مع الإنصاف .
هامش
( 1 ) المختصر النافع : 256 . الشرائع 3 : 228 . التحرير 4 : 641 . الدروس 3 : 18 . الإرشاد 2 : 113 . ( 2 ) النهاية : 592 - 593 . ( 3 ) المصابيح 5 : 254 . ( 4 ) الوسائل 25 : 370 ، ب 31 من الأشربة المحرّمة ، ح 2 . ( 5 ) تقدم في ص 475 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 479 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي