[ كما يحرم شربها ] ( 1 ) من غير فرق بين القليل والكثير والمطبوخ والنيء ، والمتّخذ من العنب وغيره كالنقيع من الزبيب ، والنبيذ من التمر ، والمسكر من الرطب ، والفضيخ من البسر ، والبتع من العسل ، والجعة من الشعير ، والمرز من الذرة ، وغيرها من الأشربة المسكرة ولو بكثيرها ( 2 ) .
شرح
( 1 ) إذ من المعلوم أنّ حرمة شرب سائر المسكرات في مذهبنا من المسلّمات ، بل الضروريات .
( 2 ) بل عن الشافعي وأحمد ومالك والثوري والليث بن سعد وجمهور العامّة « 1 » موافقتنا في ذلك .
نعم حكي عن أبي حنيفة وصاحبيه [ وهما أبو يوسف والشيباني ] خلاف ذلك ، فأباح الأوّل المسكر من كلّ شيء عدا عصير العنب ونقيع التمر والزبيب ، وأحلّ من العصير ما طبخ على الثلث ، ومن النقيعين المطبوخ مطلقاً ، لكنّه استثنى من المطبوخ القدر الذي يتعقّبه الإسكار ، فلو شرب عشرة وسكر بالعاشر اختصّ التحريم به . ونحوه في ذلك كلّه صاحباه إلّا أنّ الشيباني منهما قد اشترط في حِلّ الثلاثة [ الأولى ] طبخها على الثلث « 2 » .
وقد خالفوا في ذلك الكتاب والسنّة ، بل وما هم عليه من القياس مع كونه جليّاً ؛ تشهياً وطلباً للرخصة . ولعلّه لذا قيل « 3 » :
إنّه قد شنّع عليهم فيه علماء العامّة فضلًا عن الخاصّة ، والتشاغل في تحقيق ذلك غير مهمّ بعد ما عرفت .
فكأنّ المرتضى رحمه الله لم يعتدّ بخلاف الصدوق ومن تقدّمه ، وإلّا فهُم ممّن يقول بالحرمة دون النجاسة ، واحتمال تخصيص كلامهم في الخمر دون غيره باطل قطعاً .
نعم يتّجه دعوى الإجماع المركّب بمعنى أنّ كلّ من قال بنجاسة الخمر قال بنجاسة سائر الأشربة المسكرة ومن قال بطهارته قال بطهارتها ، فيتّجه حينئذٍ الاستدلال عليها بكلّ ما دلّ على نجاسة الخمر من الإجماعات السابقة وغيرها كالآية « 4 » بناءً على كون الرجس فيها بمعنى النجس ، إمّا لغة كما في التذكرة والمنتهى « 5 » ، بل حكى في الثاني عن الصحاح والمجمل : أنّ الرجس - بالكسر - القذر ، أو في خصوص المقام ؛ لنفي الشيخ في التهذيب عنه الخلاف « 6 » ، بل في المصابيح : أنّه « نصّ عليه الفقهاء وادّعى الشيخ عليه الإجماع » « 7 » .
ولعلّه لا ينافيه وقوعه مع ذلك خبراً عن الأنصاب والأزلام ؛ لإمكان أن يراد به بالنسبة إليهما المستقذر عقلًا من باب عموم المجاز .
على أنّه يمكن - بل هو الظاهر - دعوى كونه خبراً عن الخمر خاصّة ، فيقدّر حينئذٍ لهما خبراً ، ولا يجب مطابقة المحذوف والموجود وإن كان دالّاً عليه ، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة ، فيتعيّن حينئذٍ كون الرجس بمعنى النجس .
ويؤيّده :
1 - مضافاً إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو الخمر .
هامش
( 1 ) المغني ( لابن قدامة ) 10 : 326 - 327 . بداية المجتهد 1 : 492 - 493 .
( 2 ) المبسوط ؛ للسرخسي 24 : 13 - 14 .
( 3 ) مصابيح الأحكام : 289 .
( 4 ) المائدة : 90 .
( 5 ) التذكرة 1 : 64 . المنتهى 3 : 214 .
( 6 ) التهذيب 1 : 278 .
( 7 ) مصابيح الأحكام : 290 .