. . . . . . . . . .
شرح
وممّا يؤيّد ذلك كلّه أنّه قد يقطع المتأمّل أنّ هذه الأخبار ليس ممّا أريد بها ذكر بيان تمام التيمّم ، وكيف ؟ ! مع أنّه ترك فيها أكثر واجباته من الابتداء بالأعلى والترتيب بين اليدين وغيرهما . فيعلم أنّ صدور ذلك من الرواة أو الأئمّة عليهم السلام فيما اتّفق تعلّق خصوص المقام ببيانه ، كما هو واضح ونافع .
ومن ذلك كلّه يظهر أنّ المراد بقوله عليه السلام : « لم يعد ذلك » التجاوز لا الإعادة ، بل ولو سلّم فظاهره بالنسبة للمسح كما ورد نظيره بالنسبة للغسل في الوضوء ؛ إذ قد يتعلّق أغراض ببيان ذلك .
وكذا ما ذكره الخصم من أخبار الوحدة فإنّها صريحة أو كالصريحة في إرادة المسح لا الضرب ، ولو سلّم فلا ظهور فيها في بدل الغسل .
كما أنّه يظهر لك إمكان القدح - لولا الانجبار بالشهرة ونحوها - في دلالة سائر التيمّمات البيانيّة على اتّحاد الضربة ، سيّما بعد إجمال مراد السائل عن التيمّم الذي قد وقع الجواب في بيانه ، أو ظهور كون المراد ما يشترك به الوضوء والغسل من ماهيّة التيمّم ، واحتمال عدم تعلّق غرض الراوي بغير ما ذكره وإن بيّن له غيره ، إلى غير ذلك .
ومنه ينقدح أنّ المتّجه على حسب ما يقتضيه تعارض الأدلّة من إرجاع الضعيف إلى القوي التصرّف فيما دلّ على المرّة لا التكرار ؛ لقوّة دلالة الثانية من وجوه بالنسبة للُاولى . فحمل الخصم لها على الندب وإبقاء تلك على إطلاقها في غير محلّه ، على أنّ ذلك غير ملائم للسؤال فيها عن كيفيّة التيمّم ، بل لم يعرف القول بالاستحباب لأحد من الأصحاب سوى ما حكي عن المرتضى « 1 » ، واستحسنه بعض من تأخّر عنه « 2 » ، فلعلّ القول به خرق للإجماع المركّب ، كالحمل على التخيير إن لم يكن بين الأقلّ والأكثر بل بين الواجب وتركه .
وأمّا حملها على التقيّة فإنّه وإن استجوده المجلسي في بحاره « 3 » ، وتبعه بعض من تأخّر عنه « 4 » ؛ لمشهوريّة القول بالتكرار فيما بينهم .
لكن - مع أنّه يأباه ما في بعضها من ذكر النفض المنكر عندهم ، كآخر الكفّين ، والمعروف عندهم الذراعان ، وإن نقل عن ابن حنبل القول بالكفّين « 5 » وهو معاصر الرضا عليه السلام ، إلّا أنّه يرى الضربة الواحدة لا الضربتين « 6 » - لا موجب له ، بل ربّما يقال بعدم جوازه ؛ لما عرفت من مشهوريّة القول بالمرّة عندهم أيضاً حتى نقلوه عن عليّ عليه السلام وعمّار وابن عبّاس وغيرهم 7 ، فلا تقيّة فيه منهم .
نعم ، لم ينقل عن أحد منهم القول بالتفصيل ، فلا بأس بالتقيّة من جهته ، ولعلّه لذا لم يكثر التصريح في الأخبار به .
فاتّضح لك - بحمد اللَّه - ضعف القول بالمرّة مطلقاً جدّاً ، بل لعلّ إطلاق القول بالمرّتين أقوى منه من جهة الأدلّة وإن كان نادراً بالنظر للقائلين ، ومن هنا كان التفصيل هو الأظهر .
هامش
( 1 ) حكاه في المعتبر 1 : 388 .
( 2 ) المعتبر 1 : 389 .
( 3 ) البحار 81 : 150 ، وفيه : « الأصوب » .
( 4 ) الحدائق 4 : 340 .
( 5 ) المغني ( لابن قدامة ) 1 : 258 - 259 .
( 6 ) 6 ، 7 المغني ( لابن قدامة ) 1 : 245 .