وممّا ذكرنا من المختار هنا يظهر الحال فيما تقدّم أيضاً ، وهي ما لو علمته أنّه انقطاع فترة لكنّها لم تعلم أنّها فترة تسع الطهارة والصلاة أو لا ثمّ انكشف بعد ذلك أنّها كذلك ، مع احتمال الفرق بينهما بأنّ الفترة إنّما تعتبر لو علمت بها . أمّا مع عدم العلم وتجويزها مجيء الدم في كلّ آن فلا ، مع أصالة براءة الذمّة من القضاء وغيره . ولعلّه الأقوى أيضاً ( 1 ) . هذا كلّه إذا انقطع الدم بعد الطهارة قبل فعل الصلاة ، أمّا لو انقطع في أثنائها ( 2 ) -
شرح
( 1 ) ويشعر به ما عن العلّامة في نهاية الإحكام ، حيث قال : « ولو انقطع لا للبرء بل كان من عادتها العود أو أخبرها به العارف ، فإن قصر الزمان عن الطهارة والصلاة لم يجب إعادة الطهارة ، بل تشرع في الصلاة ، ولا عبرة بهذا الانقطاع ؛ لأنّ الظاهر عدم دوامه ، فإن صلّت فطال زمانه فالوجه الإجزاء ؛ لأنّها دخلت في الصلاة بأمر شرعي فكان مجزياً » انتهى . ويقرب منه ما في الذكرى « 1 » أيضاً .
( 2 ) فقد أطلق الشيخ في المبسوط والخلاف صحّة الصلاة وعدم إيجاب الطهارة ، مع حكمه بفساد الطهارة لو حصل قبل فعل الصلاة ، ووافقه العلّامة في المنتهى والمختلف والشهيد في البيان « 2 » . وأنكر عليه ابن إدريس ذلك ؛ معلّلًا بأنّه : إذا كان انقطاع دم الاستحاضة حدثاً فهو مفسد للصلاة مع تخلّله فيجب الاستئناف « 3 » .
قلت : وهو [ الإنكار ] في محلّه ؛ إذ لا نعرف وجهاً يختصّ به الانقطاع في أثنائها عن الانقطاع قبلها ؛ إذ هو : 1 - إن كان إطلاق ما دلّ على العفو عن هذا الدم ، فهو : أ - مع عدم شموله بحسب الظاهر لمثل هذا الفرد النادر الذي قلّما يتحقّق الاطّلاع عليه في أثناء الصلاة . ب - جارٍ في الحالين [ أي في أثناء الصلاة وقبلها ] ، فلا ينبغي الفرق من جهته .
2 - وإن كان لمكان الاستصحاب ، فهو : أ - مع إمكان المناقشة في جريانه في مثل تخلّل الحدث في أثناء الصلاة ؛ لانقطاعه بما دلّ على بطلانها بذلك ، وبه يظهر الفرق بعد الإجماع المحكيّ وغيره بين ما نحن فيه وبين وجدان الماء للمتيمّم في أثناء الصلاة ؛ لعدم الحدث فيه بخلافه هنا . ب - مع استصحابها للنجاسة المغلّظة هنا دونه ، بناءً على بطلان الصلاة للمتيمّم لو كان على ثوبه أو بدنه نجاسة كذلك . 3 - [ وهو ] جارٍ أيضاً فيهما [ أثناء الصلاة وقبلها ] من غير فرق بين حالتي الانقطاع في الأثناء أو قبله . 4 - على أنّه بعد ما كانت الأدلّة الدالّة على العفو عن هذا الدم ظاهرة في غير هذا الفرد ، فلم تثبت صحّة لتلك الطهارة حتى تستصحب ، فليس حينئذٍ إلّا الرجوع لغيرها ، وهي تقتضي فسادها ؛ لأنّ دم الاستحاضة حدث . والتمسّك باستصحاب صحّة الصلاة غير متّجه حينئذٍ ، على أنّه لا يستلزم الصحّة مطلقاً ، بل أقصاه عدم البطلان ، وقد يكون حينئذٍ تكليفها الطهارة ثمّ البناء أو غير ذلك ، فتأمّل جيّداً . وإن كان [ الوجه ] لأنّه قد دخل في صلاته دخولًا مشروعاً فوجب عليه الإكمال ؛ لقوله تعالى :« وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ »« 4 » فهو : أ - مع عدم صلاحيّته لمعارضة ما دلّ على بطلانها بحصول الحدث في أثنائها . ب - وعدم شمول الآية للبطلان القهري بعد الغضّ عن صحّة التمسّك في أصل ذلك ؛ لظهور سياقها في إرادة النهي عن إحباط العمل بالارتداد ونحوه . ج - أنّها [ الآية ] لا تستلزم الصحّة على الإطلاق ، فلِمَ لا يجوز حينئذٍ الطهارة والبناء مثلًا ؟
هامش
( 1 ) نهاية الإحكام 1 : 128 . الذكرى 1 : 253 .
( 2 ) المبسوط 1 : 68 . الخلاف 1 : 250 . المنتهى 2 : 423 . المختلف 1 : 377 . البيان : 67 .
( 3 ) السرائر 1 : 152 - 153 .
( 4 ) محمّد صلى الله عليه وآله وسلم : 33 .