. . . . . . . . . .
شرح
قلت : والظاهر أنّ مراده بالضمير [ هو ] أصل الحكم لا ما نقله عن نهاية الإحكام ، كما يرشد إليه استقراء كلمات من نقل عنهم ، فإنّ أكثرها كالصريح في اعتبار العلم سيّما إجماع التذكرة « 1 » ، فإنّك قد عرفت أنّه لم ينقله على ما نحن فيه في أحد الوجهين ، على أنّه علّله بما تقدّم .
ومن العجيب ما وقع في الرياض أيضاً من تقييده أوّلًا بإمكان كون المنيّ منه وعدم احتماله من غيره ، ثمّ اكتفائه بظاهر الحال ، وكأنّه تبع في ذلك كاشف اللثام في مزجه لعبارة القواعد ، لكنّك قد عرفت أنّه لم يكتف بظاهر الحال ، بل اعتبر العلم ، فصحّ له ذلك ، بخلافه هو .
ثمّ إنّ اختياره اختصاص ذلك في صورة الانتباه كأنّه في غير محلّه ؛ بناءً على المنقول إليه من إجماع التذكرة وغيره الذي يكون قرينة على التعدّي عن محلّ سؤال الروايتين ، والحاصل : أنّ التعرّض لما في كلامه يحتاج إلى تطويل .
الثالث : أن يراد بكلام الأصحاب ما هو المتعارف الوقوع ، الكثير الدوران في غالب أفراد الناس ، وهو أنّهم يجدون المنيّ في الثوب المختصّ ويعلمون أنّه منهم ، لكن لم يعلموه أنّه من جنابة سابقة قد اغتسل عنها أو لاحقة متجدّدة ، فإنّه حينئذٍ بمجرّد ذلك أوجبوا الاغتسال ، ويكون المدار على نفي احتمال كونه من غيره ، كما لعلّه تشعر به بعض كلمات بعضهم .
لا يقال : إنّ ذكر ذلك أيضاً قليل الفائدة كالوجه الأوّل ؛ لأنّه من المعلوم أنّه إذا علم كون المنيّ منه يجب عليه الاغتسال .
لأنّا نقول : إنّه اشتباه ؛ لأنّ العلم بكون المنيّ منه أعمّ من وجوب الاغتسال ؛ إذ قد يكون من جنابة قد اغتسل عنها ، ولا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله .
لا يقال : إنّه يكون من قبيل من تيقّن الطهارة والحدث ولم يعلم السابق منهما ، فإنّه يجب عليه الاغتسال حينئذٍ ، وقد ذكروا ذلك في محلّه ، فأي فائدة لهم في ذكره هنا .
لأنّا نقول : إنّه فرق واضح بين ما نحن فيه وبين تلك المسألة ؛ لأنّه في المقام لا يعلم حدوث جنابة غير الأولى ، فكان الأصل عدمها كما هو كذلك في كلِّ ما شكّ في تعدّده واتّحاده ، بخلاف تلك ؛ فإنّه من المعلوم وقوع الحدث والطهارة ، لكنّه جهل صفة السبق واللحوق ، وهنا لم يعلم أصل الوجود ، فضلًا عن السبق واللحوق ، فحينئذٍ يكون كلام الأصحاب لبيان مسألة مخالفة للقواعد لمكان الروايات ، ولا ينافيه ذكر العلم في كلام جملة منهم ؛ إذ هو أعمّ من إيجاب الغسل .
وكأنّ هذا الوجه ليس ببعيد ، بل هو أقرب من سابقه ، إلّا أنّ الأقوى في النظر الوجه الأوّل ، فلا يجب الاغتسال إلّا بالعلم بكونه منه ، وأنّه من جنابة جديدة لم يغتسل منها وإن لم يعرف وقتها ، وعليه تنزّل الروايات ، ويحمل خبر أبي بصير المتقدّم 2 - الذي ظاهره عدم وجوب الاغتسال - على صورة عدم العلم بكونه من جنابة سابقة أو لاحقة وإن علم بكونه منه ، فإنّ رؤيته له بثوبه لا يقضي بأزيد من ذلك .
الرابع : احتمال كون المدار على مجرّد احتمال كونه منه تعبّداً محضاً ، ويكون الفرق بين هذا والوجه الثاني اعتبار المظنّة في المتقدّم دونه . وإذ قد عرفت ضعفه ، فهذا بالطريق الأولى ، فكان أصحّ الوجوه الأوّل .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 تقدّم في ص 18 .