وبعد أن عرفت ذلك المدار فلا حاجة للإطالة والإكثار في الأمثلة في المقام ، من صبّ الإنسان والحيوان المعلّم وغير المعلّم ومن إراقة الإنسان الماء من ميزاب أو نحوه ، إلى غير ذلك ، فتأمّل جيّداً .
[ والمراد من حرمة تولّي الغير الوضوء هو الفساد وعدم الجواز لو اكتفي بالصلاة فيه ، أو قصد التشريع أو نحو ذلك ، لا الحرمة الذاتية ] ( 1 ) .
شرح
( 1 ) ثمّ إنّ الظاهر من عبارة المصنّف وغيرها - في بادئ الرأي - حرمة تولّي الغير الوضوء ، إلّا أنّ التأمّل فيها يقضي بأنّ مرادهم من ذلك الفساد وعدم الجواز لو اكتفي بالصلاة فيه ، أو قصد التشريع أو نحو ذلك .
وأمّا الحرمة الذاتية فلا أعرف دليلًا عليها .
وظاهر هذه العبارات لا وثوق به في نحو هذه المقامات .
ويمكن الاستدلال عليه [ التحريم الذاتي ] مع أصل المسألة من عدم جواز التولية بخبر الحسن بن عليّ الوشاء قال : دخلت على الرضا عليه السلام وبين يديه إبريق يريد أن يتهيّأ للصلاة ، فدنوت منه لأصبّ عليه ، فأبى ذلك ، فقال : « مه يا حسن ، فقلت : لِمَ تنهاني أن أصبّ على يديك ، تكره أن اؤجر ؟ قال عليه السلام : تؤجر أنت واوزر أنا ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال عليه السلام : أما سمعت اللَّه عزّ وجلّ يقول :( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )« 1 » وها أنا ذا أتوضّأ للصلاة وهي العبادة ، فأكره أن يشركني فيها أحد » « 2 » ؛ لقوله فيها : « واوزر أنا » بحمل الصبّ فيها على الصبّ على أعضاء الوضوء .
ويحتمل قويّاً أن يراد بالصبّ الصبّ في الكفّ ؛ لكونه المتبادر المتعارف في مثل ذلك ، سيّما بالنسبة للوجه ، ويحمل قوله :
« اوزر » على شدّة الكراهة بقرينة قوله في آخرها : « فأكره » مع أنّ المكروه بالنسبة إليه كالوزر .
ويؤيّده :
[ أوّلًا ] : مع فهم الأصحاب منها ذلك كما قيل « 3 » .
[ ثانياً ] : المرسل عن أمير المؤمنين عليه السلام : أنّه كان لا يدعهم يصبّون الماء عليه ، ويقول : « لا احبّ أن اشرك في صلاتي أحداً » « 4 » ؛ لظهور قوله : « لا أحب » في الكراهة .
على أنّه لو سلّم [ أي ظهورها في الحرمة ] فيحتمل أن يكون قوله : « اوزر أنا » يعني إن صلّيت بهذا الوضوء واكتفيت به ، فلا يدلّ على الحرمة حينئذٍ في ذاته ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) الكهف : 110 .
( 2 ) الوسائل 1 : 476 ، ب 47 من الوضوء ، ح 1 .
( 3 ) المشارق : 137 .
( 4 ) الوسائل 1 : 477 ، ب 47 من الوضوء ، ح 2 .