. . . . . . . . . .
شرح
هذا ، وقد وقع في الرياض ما ينافي بظاهره ذلك [ وهو وجود الفرق بين الابتداء والاستدامة ] - تبعاً للُاستاذ الأعظم في شرح المفاتيح والفاضل صاحب الحدائق والمدقّق الخوانساري « 1 » - قال بعد أن ذكر تفسير الاستدامة بالمشهور وكلام ابني إدريس وزهرة : « إن مقتضاه اعتبار الاستدامة الفعليّة كما هو مقتضى الأدلّة ؛ لوجوب تلبّس العمل بالنيّة ، والحكميّة مستلزمة لخلوّ جُلّ العمل عنها ومبنى الخلاف هو الخلاف في تفسير أصل النيّة ، هل هي الصورة المخطرة بالبال ، أم نفس الداعي إلى الفعل ؟ فعلى الأوّل لا يمكن اعتبار الاستدامة الفعليّة ؛ إذ ما جعل اللَّه لرجل من قلبين في جوفه ، فتعيّنت الحكميّة ؛ لقوله عليه السلام : « ما لا يدرك . . . » .
وعلى الثاني يمكن اعتبارها فيجب .
وحيث كان المستفاد من الأدلّة ليس إلّا الثاني ؛ بناءً على دلالتها على اعتبار النيّة في أصل العمل ومجموعه ، وهو ظاهر في وجوب بقائها في نفسها إلى منتهاه ، وقد عرفت تعذّره في المخطر ، فلم يبق إلّا الداعي . . . إلى أن قال : وممّا ذكر ظهر سقوط كلفة البحث عن المقارنة وتقدّمها عند غسل اليدين ؛ لعدم انفكاك المكلّف على هذا التقدير عنها ، فلا يتصوّر فقدها عند القيام إلى العمل ليعتبر المقارنة لأوّل [ العمل ] الواجبي أو المستحبّي » « 2 » انتهى .
وهو كالصريح - كغيره ممّن نقلنا عنهم - أنّه لا فرق بين الابتداء والاستدامة ، وأنّه لا وجه للبحث في التقديم عند غسل اليدين .
وفيه ما لا يخفى ، فإنّه :
1 - مع مخالفته بعض ما هو مجمع عليه بحسب الظاهر [ من لزوم الخطور في الابتداء ] .
2 - مستلزم لصحة وقوع العبادة بعد حصول الداعي مع الغفلة الماحية لأصل الخطور في الذهن كما يتّفق ذلك في الأثناء ، وهو بعيد جدّاً .
3 - أو أنّهم يلتزمون فساد ما وقع فيها في أثناء ذلك حتى يتساوى الابتداء والأثناء ، وهو أبعد .
وما أدري ما الذي دعاهم إلى ذلك ؟ مع أنّ القول بالداعي لا يقتضيه كما تقدّم .
ومنه تعرف الوجه في مسألة تقديم النيّة عند غسل اليدين ، وأنّه يتصوّر له معنى بناءً على الداعي ، لما ظهر لك من الفرق بين الابتداء والأثناء ، [ وعليه ] فإمّا أن يعتبر الخطور عند غسل اليدين أو [ يعتبر ] القصد أو غير ذلك ، واتّفاق استمراره [ بعد غسل اليدين ] غير قادح .
وتظهر الثمرة [ فيما ] لو انقطع [ الداعي وغفل عنه ] .
وما يقال : إنّه متى انقطع وأغفل عنه من المحال أن يصدر فعل اختياري جارٍ مجرى أفعال العقلاء .
يدفعه : أنّه على تقدير تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون اكتفى الشارع بما يقع من المكلّف من العبادة في الأثناء وإن كان وقوعه على حسب الوقوع من النائم والغافل وغير ذلك .
هامش
( 1 ) المصابيح : 286 . الحدائق 2 : 185 . المشارق : 93 .
( 2 ) الرياض 1 : 221 - 222 .