. . . . . . . . . .
شرح
وعلى كلّ حال ، فأقصى ما يمكن أن يستدلّ به لهم [ القائلين باشتراط قصد الوجه في النيّة هو ] :
1 - أنّ الامتثال بالمأمور به لا يتحقّق إلّا بالإتيان به على وجهه المطلوب ، وهذا لا يحصل إلّا بالإتيان بالواجب واجباً والندب ندباً .
2 - وبأنّ الوضوء يقع تارة على وجه الوجوب وأخرى على الندب ، ولمّا كان الفعل قابلًا لأن يقع لكلّ منهما كان تخصيصه بأحدهما محتاجاً إلى نيّة ؛ لأنّ قصد جنس الفعل لا يستلزم وجوهه ، فكلّ فعل كان قابلًا لأن يقع على وجوه متعدّدة افتقر اختصاصه بأحدها إلى النيّة ، وإلّا فبدون ذلك لا يعدّ ممتثلًا لأحدها ، فمن أوقع مثلًا ركعتين ولم ينو أنّهما صبح أو نافلة ، لم يمتثل أحد الأمرين ؛ إذ قصد التعيين لا إشكال في شرطيّته وأنّه لا يتحقّق الامتثال بدونه .
3 - وربّما ايّد أيضاً بأنّ شغل الذمّة اليقيني محتاج إلى الفراغ اليقيني ، ولا يقين إلّا بنيّة الوجه ؛ إذ ليس في الروايات ولا في غيرها ما يدلّ على حصول البراءة بدونه .
4 - بل قد يشعر قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » « 1 » بوجوبه .
5 - على أنّه قد استفاض عنهم عليهم السلام أنّه « لا عمل إلّا بنيّة » 2 ولم يعلم كيفيّتها [ وأنّها هل يعتبر فيها قصد الوجوب أو لا ؟ ] وهي وإن كانت شرطاً للعبادة ، ولكن الشكّ في الشرط يقتضي الشكّ في المشروط .
6 - وأيضاً فالشكّ واقع في جزء النيّة فيجري عليها ما يجري عند الشكّ في جزء العبادة ؛ لكونها لمعنى جديد إمّا حقيقة أو مجازاً ، وهو غير معلوم .
ولا يخفى عليك ما في الجميع :
أمّا [ الدليل ] الأوّل : فلأنّه إن أريد بوجوب إيقاع الفعل على وجهه إيقاعه على الوجه المأمور به شرعاً فمسلّم ، لكن كون النيّة المذكورة ممّا تعتبر شرعاً أوّل البحث ، وإن أريد به إيقاعه مع قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب فهو ممنوع ، وهل هو إلّا مصادرة ! وإن أريد به الإشارة إلى وجوب الاحتياط في العبادة فهو راجع إلى التأييد الأخير [ أي قاعدة الاشتغال ] وستسمع ما فيه .
وأمّا [ الدليل ] الثاني ف [ يرد عليه ] : - مع كونه خروجاً عن النزاع أوّلًا ؛ لكون الكلام في وجوب نيّة الوجه لنفسه لا لكونه مقدّمة للتعيين ، فإنّ التعيين قد يحصل بغير ذلك من القصد إلى ذات وضوء مخصوص ونحوه . وعدم اقتضائه [ شرطية قصد الوجه في الوضوء ] الوجوب الغائي ثانياً - فيه : ما قاله الشهيد في الروضة : « إنّه لا اشتراك في الوضوء حتى في الوجوب والندب ؛ لأنّه في وقت العبادة الواجبة المشروطة به لا يكون إلّا واجباً ، وبدونه ينتفي » « 3 » .
لكن قد يقال عليه : إنّ التعدّد قد يكون بزعم المكلّف لجهل أو غيره ، بل إن أراد [ الشهيد ] بقوله : « لأنّه في وقت . . . إلى آخره » أنّه لا يصحّ أن يقع وضوء مستحب لغاية مستحبّة ، فهو ممنوع وإن كان فيه خلاف ، إلّا أنّ الأقوى صحّته ، ولا منافاة بين وجوبه لغاية واستحبابه لُاخرى في وقت واحد ، وإن أراد أنّ وضوء تلك العبادة [ الواجبة ] لا يكون حينئذٍ إلّا واجباً فهو مسلّم ، لكن الأوّل [ جواز وقوع الوضوء المستحب لغاية مستحبة ] كافٍ في حصول الإبهام المحتاج إلى التعيين .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 تقدّم في ص 427 .
( 3 ) الروضة 1 : 72 .