[ التحقيق ] ( 1 ) : أنّ النيّة عبارة عن الداعي الذي يحصل للنفس بسببه انبعاث وميل إلى الفعل ( 2 ) . فظهر بذلك أنّه لا تنحصر النيّة في الصورة المخطرة بالبال ( 3 ) .
فنقول حينئذٍ : يكتفى بقيام الداعي في المكلّف ، لكن لا بدّ من حصول الإرادة للفعل حين التعقّل وإن غفل عن الداعي له في ذلك الوقت ، لكن بحيث لو سئل لقال : أريد الفعل لذلك ، وبهذا تظهر الثمرة بينه وبين القول بالإخطار ، فتأمّل جيّداً .
ولعلّ الأولى أن يجعل المدار - بناءً على الداعي - على ما لا يعدّ في العرف أنّه فعل ساهٍ خالٍ عن القصد ليكتفى بذلك ، ويأتي « 1 » - إن شاء اللَّه تعالى - في الاستدامة للبحث تتمّة .
شرح
( 1 ) من هنا [ ممّا تقدّم ] كان التحقيق [ ذلك ] .
( 2 ) فإنّ المكلّف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلًا وهو عالم بوجوب ذلك الفرض سابقاً ، وعالم بكيفيّته وكمّيته ، وكان الغرض الحامل على الإتيان به إنّما هو الامتثال لأمر اللَّه ، ثمّ قام من مكانه وسارع ثمّ توجّه إلى المسجد ووقف في مصلّاه مستقبل القبلة ، فأذّن وأقام ثمّ كبّر واستمرّ في صلاته ، فإنّ صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النيّة والقربة .
( 3 ) لا يقال : إنّ الإخطار أشدّ في حصول الإخلاص .
لأنّا نقول : إنّه ينبغي القطع في عدم مدخلية ذلك فيه [ الإخطار في الإخلاص ] ، ألا ترى أنّه إذا غلب على قلب المدرّس أو المصلّي حبّ الشهرة والسمعة وميل القلوب إليه لكونه صاحب فضيلة أو ملازم عبادة ، وكان ذلك هو الحامل له على تدريسه وعبادته ، فإنّه لا يتمكّن من نيّة القربة والإخلاص فيها وإن قال بلسانه وتصوّر بجنانه : اصلّي أو ادرِّس قربة إلى اللَّه ، كما هو واضح .
وحاصل الفرق بين القول ب [ أنّ النيّة هي ] الإخطار و [ بين كونها ] الداعي :
إمّا بأن يقال : إنّ الأوّل يؤول إلى إيجاب العلم بالحضور وقت الفعل ، بخلاف الثاني ؛ فإنّه يكتفى بالحضور من دون علم والتفات للذهن .
وما عساه يظهر من بعضهم - من أنّه بناءً على الداعي يكتفى بوجوده وإن غاب عن الذهن حال الفعل ، ولذا لم يفرّقوا بين الابتداء والاستدامة - ممّا لا ينبغي الالتفات إليه ويقطع بفساده ، وكيف يعد مثل هذا الفعل في العرف بمجرّد هذا العزم السابق منويّاً ومقصوداً ؟ !
أو يقال في الفرق بينهما : إنّ المراد بالداعي إنّما هو العلّة الغائية للفعل ، الباعثة للمكلّف على إيجاده في الخارج . وهو [ مدفوع بأنّه ] ليس من النيّة في شيء ، بناءً على ما ذكرنا أنّها مجرّد القصد والإرادة ، وإطلاق لفظ النيّة عليه في لسان بعضهم إنّما هو بحسب الاصطلاح المتأخّر .
هامش
( 1 ) يأتي في ص 452 .