وإذ قد ظهر لك المراد من النيّة علمت أنّ الأمر فيها في غاية السهولة ( 1 ) .
لكن لمّا كان لا يكفي في صحّة العبادة وجود النيّة بالمعنى المتقدّم [ أي القصد ] ، بل لا بدّ من ملاحظة القربة منها وحصول الإخلاص ، وهو في غاية الصعوبة ، بل هو الجهاد الأكبر للنفس الأمّارة بالسوء ( 2 ) ، وكانت القربة في حال الإخلاص من متعلّقات النيّة - إذ يجب عليه قصد الفعل امتثالًا للَّه خاصّة - صعب أمر النيّة من هذه الجهة ، وصحّ اشتراطها في العبادات دون المعاملات ، وبحث عنها المتأخّرون ( 3 ) .
[ عدم اعتبار الإخطار بالبال ] :
[ وهل يعتبر الإخطار بالبال للقصد ؟ ] ( 4 ) .
شرح
( 1 ) إذ لا ينفكّ فعل العاقل المختار حال عدم السهو والنسيان عن قصد للفعل وإرادة له . ومن هنا قال بعضهم : إنّه لو كلّفنا اللَّه الفعل بغير نيّة لكان تكليفاً بالمحال « 1 » ، وهو حسن بناءً على ما ذكرنا من معنى النيّة [ وهو القصد ] ، بل لعلّه لذا أغفل المتقدّمون ذكرها وبيان شرطيّتها .
( 2 ) كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار « 2 » الواردة في الرياء والحذر عنه ، وأنّه أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة .
( 3 ) بل لعلّ المتقدّمين بذكرهم في أوائل كتبهم اشتراط الإخلاص في العبادة والتحذير من الرياء ونحوه اكتفوا عن ذكر النيّة بمعنى القصد ؛ لعدم إمكان حصول الإخلاص بدونه . وبما ذكرنا ظهر لك مراد من جعل أمر النيّة في غاية السهولة ، وكذا من جعلها في غاية الصعوبة ؛ لاختلاف الحيثيتين .
( 4 ) إلّا أنّه ربّما ظهر من بعض عبارات بعض الأصحاب صعوبة أخرى للنيّة من غير تلك الحيثيّة ، وذلك لأنّه جعلها عبارة عن هذا الحديث النفسي والتصوّر الفكري ، فلا يكتفى بدون الإخطار بالبال للقصد مع ما يعتبر معه من القربة والوجه وغيرهما مقارناً لأوّل العمل ، فبسببه يحصل بعض أحوال لهم تشبه أحوال المجانين .
وليت شعري أليست النيّة في الوضوء والصلاة وغيرهما من العبادات كغيرها من سائر أفعال المكلّفين من قيامهم وقعودهم وأكلهم وشربهم ؟ !
فإنّ كلّ عاقل غير غافل ولا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال إلّا مع قصد ونيّة سابقة عليه ، ناشئة من تصوّر ما يترتّب عليه من الأغراض الباعثة والأسباب الحاملة على ذلك الفعل ، بل هو أمر طبيعي وخلق جبلّي ، ومع هذا لا ترى المكلّف في حال إرادة فعل من هذه الأفعال يعتريه شيء من تلك الوسوسة وذلك الإشكال ، بل هو بالنسبة إلى العبادات الاخر من الزيارات 2 / 80 / 151
والصدقات وعيادة المرضى وقضاء الحوائج والأدعية والأذكار وقراءة القرآن ونحو ذلك لا يعتريه شيء من تلك الأحوال ، بل هو فيها على حسب سائر أفعال العقلاء .
فما أعرف ما ذا يعتريه في مثل الوضوء ؟ !
هامش
( 1 ) المصابيح : 283 .
( 2 ) لآلي الأخبار 4 : 57 .