بل قد يصل إلى حدّ الوجوب كما إذا توقّف الإخلاص عليه ، وقد يحرم إذا كان بالعكس ، إلّا أنّ الأحوط الترك مع الاختيار فراراً من التشريع ( 1 ) .
شرح
( 1 ) وحيث كان المراد بالنيّة ما عرفت كان الدليل على وجوبها :
1 - بعد توقّف صدق الامتثال والإطاعة والتعبّد [ على النيّة ] .
2 - و [ بعد ] ما دلّ من الكتاب والسنّة على الإخلاص في العبادة المتوقّف عليها ؛ إذ المراد به إتيان الفعل بقصد كونه امتثالًا لأمر اللَّه خاصّة .
3 - الإجماع المنقول على لسان جماعة كالشيخ وابن زهرة والعلّامة « 1 » ، بل هو محصّل .
وما عساه يظهر من المنقول عن ابن الجنيد من الاستحباب « 2 » ، فهو - مع عدم صراحة عبارته ، ومعارضته بنقل المصنّف عنه في المعتبر « 3 » خلافه - ضعيف جدّاً ، فلا يقدح .
4 - وقول عليّ بن الحسين عليهما السلام في حسنة أبي حمزة : « لا عمل إلّا بنيّة » « 4 » . ونحوه روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم « 5 » .
5 - وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّما الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى ، فمن غزا ابتغاء ما عند اللَّه فقد وقع أجره على اللَّه عزّ وجلّ ، ومن غزا يريد به عرض الدنيا أو نوى عقالًا لم يكن له إلّا ما نوى » « 6 » .
وقوله أيضاً في خبر أبي عثمان العبدي عن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا قول إلّا بعمل ولا قول ولا عمل إلّا بنيّة ، ولا قول ولا عمل ولا نيّة إلّا بإصابة السُنّة » « 7 » .
وفي الوسائل : أنّه « رواه الشيخ مرسلًا عن الرضا عليه السلام » « 8 » وغير ذلك .
وما وقع من بعض متأخّري المتأخّرين « 9 » من المناقشة في الاستدلال بهذه الأخبار : لاحتمال توجّه الحصر فيها إلى الكمال دون الصحّة ، وترجيح الثانية [ أي الصحّة ] على الأولى لكونه أقرب المجازات إلى الحقيقة ، معارض بأنّ فيه تخصيصاً للأعمال بالعبادات خاصّة - ضعيف جدّاً ؛ لما فيه من المخالفة لفهم العلماء الماهرين ، ولغلبة استعمال مثل هذا التركيب في نفي الصحّة ، كما هو واضح . وخروج غير العبادات منه غير قادح ، بل هو أولى من غيره [ من حمل الحصر على نفي الكمال ] لشيوع التخصيص .
لا يقال : إنّ بعض هذه الأخبار لا تنطبق على ما ذكرت من معنى النيّة ، مثل « إنّما الأعمال بالنيّات » ونحوه .
لأنّا نقول : 1 - مع أنّا نجوّز إطلاقها على غير ما تقدّم مجازاً . 2 - إنّه قد يشتبه المراد من متعلّق النيّة إمّا بإضمار أو نحوه .
وفي إطلاق نفس النيّة كما في قوله : « إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ ما نوى . . . إلى آخره » . بل التأمّل الصادق في مثل قوله : « إنّما الأعمال » ونحوه يقضي بأنّه أدلّ على المطلوب منه على غيره ؛ لما فيه من إطلاق النيّة على غير ما نحن فيه ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) الخلاف 1 : 72 . الغنية : 52 . المختلف 1 : 274 .
( 2 ) نقله في الذكرى 2 : 105 .
( 3 ) المعتبر 1 : 138 .
( 4 ) الوسائل 1 : 46 ، ب 5 من مقدّمة العبادات ، ح 1 .
( 5 ) المصدر السابق : 48 ، ح 9 .
( 6 ) المصدر السابق : 49 ، ح 10 .
( 7 ) المصدر السابق : 47 ، ح 2 .
( 8 ) المصدر السابق : ذيل الحديث 2 .
( 9 ) الحدائق 2 : 172 ، 173 .