والضابط : أنّ كلّ مستحلّ ممّا علم تحريمه من الدين ضرورة ، أو فعله بقصد التكبّر والعناد أو الفسق وإن لم يكن مستحلّاً تحقّق به الكفر ؛ فيكون [ الفاعل ] نجساً ذاتيّاً ، فلا يفيده الاستنجاء طهارة ، فإن عاد إلى الإسلام وجب إعادة الاستنجاء ( 1 ) . نعم ، قد يقال بحصول الطهارة لما تنجّس من بدنه ونحوه إذا كان قد أزالها على نحو إزالة المسلم أو لم يعلم كيف أزالها ، أمّا لو علم بالإزالة الفاسدة فلا يجري الحكم ( 2 ) . فلا ريب أنّ القاعدة تقتضي إعادة الاستنجاء ، ولا دليل يخرج عنها ( 3 ) . لكن ومع ذا فالمسألة لا تخلو من تأمّل ، بل للبحث فيها مقامات ، تركناه خوف الإطالة والملل .
6 - ( ولا صقيل يزلق عن النجاسة ) ( 4 ) . أمّا لو اتّفق القلع به ( 5 ) فالأقوى حينئذٍ الاجتزاء به لو اتّفق القلع به ولو نادراً . فحينئذٍ لا ينبغي الإشكال في الاجتزاء بإمراره لو نقي المحل بدونه ( 6 ) .
شرح
( 1 ) لا يقال : الإسلام من جملة المطهّرات فلا حاجة إلى إعادة الاستنجاء .
لأنّا نقول : إنّ أقصى ما ثبت أنّ الإسلام مطهّر من النجاسة الكفرية ، دون غيرها .
( 2 ) والقول بحصول الطهارة له - حيث يستنجي بما تقدّم [ أي بالمحترمات ] - من تلك النجاسة وإن ثبت له النجاسة العينية بعيد ؛ وكيف ! ومن شرط التطهّر بالاستنجاء بالأحجار أن لا يتنجّس الحجر بغير النجاسة الحاصلة من الاستجمار ، والفرض أنّه تنجس بمماسته لبدن الكافر .
وما عساه يقال : إنّ سائر الذوات النجسة عيناً لو أصابتها نجاسة خارجية فهي لا تتّصف بالتنجيس ، نعم يدور الحكم مدار وجود عينها . فالكلب لا يتنجّس بالدم - مثلًا - حتّى إذا زال الدم عنه يبقى حكمه . فالمدار على زوال عين النجاسة الخارجة عنها .
فيه : أنّه - على تقدير تسليمه - لا يتمشّى فيما نحن فيه من الكافر ؛ لتكليفه بالفروع ، فإذا أصابته نجاسة فهو مكلّف بإزالتها على الوجه الشرعي . وخبر الجبّ لم يعلم إرادة ما يشمل ذلك فيه ، مع أنّه غير جامع لشرائط الحجّية .
( 3 ) ولا يمكن دعوى السيرة الصالحة للاستدلال بها [ على عدم وجوب إعادة الاستنجاء ] في المقام .
( 4 ) لملاسته ، فلا يزيلها ، وحينئذٍ فاشتراطه واضح .
( 5 ) فلم أعثر على ما يقتضي عدمه . وما ذكروه من التعليل إنّما هو خاصّ بالأوّل [ أي ما يزلق عن النجاسة ] ؛ ولذا صرّح بعضهم بالاجتزاء به « 1 » .
نعم عن العلّامة في النهاية عدم الإجزاء « 2 » ، وكأنّه لكونه من الأفراد النادرة التي لا تشملها الإطلاقات . وفيه منع واضح ، وعلى تقدير تسليمه في الإطلاقات فما ذكروه من الإجماع المنقول 3 على الاجتزاء بكلّ جسم طاهر مزيل للنجاسة كافٍ .
وما عساه يقال : إنّ ظاهر المشترطين لذلك يقضي بعدم جواز الاستنجاء به وإن قلع ، وإلّا لم يكن وجه صحيح للتعرّض له ؛ لأنّه مع عدم الإزالة لا إشكال في عدم الاجتزاء به ، فلا يناسب عدّه في تلك الأشياء [ التي لا يستنجى بها ] . ففيه : أنّه لا يخفى على الملاحظ - لما ذكروه من الاستدلال عليه من عدم الإزالة ونحوها - أنّه ذكر لهذا القصد ، وإلّا كانوا مطالبين بدليله .
( 6 ) وما يقال : إنّه يشترط فيها وإن لم يكن نجاسة أن تكون قابلة للقلع لو كانت ، في غاية الضعف ؛ إذ لا دليل يقتضيه ، بل هو يقتضي عدمه .
هامش
( 1 ) الذخيرة : 18 .
( 2 ) 2 ، 3 3 نهاية الإحكام 1 : 88 . الخلاف 1 : 106 .