[ وكيف كان ] فلا يحكم بتنجيس « 1 » هذه النجاسات لأبدان الحيوانات ، وتكون من قبيل البواطن ، فلا تنفعل بملاقاة النجاسات ، بل إن كانت عين النجاسة موجودة كان الحكم مستنداً إليها ، وإلّا فلا ( 1 ) .
ثمّ الظاهر من القائلين بالاكتفاء بالزوال من غير اشتراط للغيبة أنّه لا إشكال عندهم في حصول الطهارة بها ، إلّا أنّها ليست شرطاً . لكن لو كانت عين نجاسة على بدن الحيوان ثمّ غاب وبعد ذلك باشر مائعاً ، فهل يحكم بالنجاسة ( 2 ) أو الطهارة ؟ ( 3 ) قد يقال بالأوّل ( 4 ) ، ويحتمل قوياً الثاني [ فالمتّجه بقاؤه على الطهارة ] ( 5 ) .
نعم ، لو قلنا بتنجّس الحيوان بملاقاة النجاسة واعتبرنا في طهارته زوال العين ( 6 ) اتّجه الحكم بالنجاسة بملاقاة الحيوان الذي كان عليه نجاسة ولم يُعلم زوالها ( 7 ) .
شرح
( 1 ) بل في الحقيقة يرجع إلى هذا قولهم : « إنّها تطهر بزوال العين » عند التأمّل ، وإن كان ظاهره لا يخلو من تسامح . ولعلّ ما صدر من صاحب المعالم يرجع إلى الشكّ في شمول القاعدة الثانية ، لكنّه لا يخلو من إشكال ؛ لمعارضة الأصل حينئذٍ بالاستصحاب . ولعلّه لما ذكرنا أشار السيّد المهديّ في منظومته فقال :واجعل زوال العين في الحيوان * طهراً كذا بواطن الإنسان « 2 »( 2 ) استصحاباً لبقاء العين .
( 3 ) لكون الغيبة من المطهّرات ؛ لاحتمال المطهّر ولو زوال العين الذي اكتفينا به في طهارة الحيوان .
( 4 ) وظاهر التسالم - هنا - على الغيبة إنّما هو بعد الحكم بزوال العين . وإن اختلف في أنّه هل يشترط الغيبة لعدم الاكتفاء بالزوال أو يكتفى به ، فلا حاجة إليها ؟ بل هو الظاهر من اشتراطهم الخلوّ من عين النجاسة بعد العلم بمباشرته لها .
( 5 ) إذ الظاهر أنّه لا إشكال عندهم في كونها [ الغيبة ] من المطهّرات في الحيوان وإن وقع الإشكال فيها في الإنسان ، فحينئذٍ يكتفى باحتمال حصول الطهارة له ، كل على مذهبه فيها ، فمن اكتفى بالزوال يكفي عنده احتماله ، ومن لا يكتفي به لا بدّ من احتمال غيره .
وكيف كان ، فلا تلازم بين القول بالطهارة بالزوال وبين [ كون ] الغيبة من المطهّرات ، فقد تسلّم الأولى وتُمنع الثانية ، كما لعلّه الظاهر من بعضهم . وإن كان الأقوى خلافه ؛ لقيام كثير من الأدلّة السابقة على الطهارة بالزوال على حصول الطهارة بالغيبة ، فتأمّل جيّداً . فإنّ التحقيق : الثاني ؛ لأنّ استصحاب بقاء العين لا يقضي بثبوت الإصابة التي هي حكم من الأحكام العرفية . فالمتّجه بقاء الآخر - ولو [ كان ] مائعاً - على الطهارة التي لا يحتاج استصحابها إلى حكم آخر .
( 6 ) كما هو مقتضى قولهم : « تطهر بالزوال » .
( 7 ) ولعلّ هذا هو الثمرة بين قولنا بعدم قبول بدن الحيوان النجاسة كالبواطن ، وبين القول بها والطهارة بالزوال . هذا كلّه من هذه الجهة ، وأمّا بناءً على ظهور النصوص في الحكم بالطهارة لمجرّد عدم العلم بملاقاة عين النجاسة - وإن كانت موجودة سابقاً - ولو لاحتمال الزوال وإن لم نعتبره ، فهو موافق لما ذكرناه : من أنّ التحقيق الثاني .
هامش
( 1 ) في الجواهر : « بنجاسة » .
( 2 ) الدرّة النجفية : 54 .