. . . . . . . . . .
شرح
2 - ومنافٍ لما قد عرفت أنّ لفظ الحرام والنجس يراد بهما الواقع ؛ لعدم دخول العلم في مفهوم اللفظ ، ولترتّب الفساد ونحوه عليه .
3 - فيه : أنّا نمنع شمولها [ العمومات ] لمثل المقام ؛ وذلك لظهور قوله عليه السلام : « كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام . . . إلى آخره » في إرادة أنّ الشيء الكلّي الذي يكون منه حلال وحرام ، بمعنى أنّه لا تحصل الحرمة بمجرّد الاحتمال ، وهو في الشبهة الغير المحصورة . ويكشف عن ذلك :
أ - قوله عليه السلام في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : « كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قِبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، ومملوك عندك وهو حرّ قد باع نفسه ، أو خُدِع فبِيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة » « 1 » . فانظر كيف كشف عليه السلام أصل المراد بقول : « كلّ شيء . . . إلى آخره » فيكون مراده حينئذٍ بيان أنّه لا معنى لحرمة الأشياء بمجرّد الاحتمال ، لا أنّه إن كان هناك عبدان أحدهما تعلم أنّه حرّ والآخر مملوك ، أو أنّ امرأتين أحدهما أجنبية والأخرى أختك ، فهو حلال أيضاً .
ب - ومنها : رواية عبد اللّه بن سليمان ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : عن الجبن ، فقال : « سألتني عن طعام يعجبني ، ثمّ أعطى الغلام درهماً ، فقال : يا غلام ابتع لنا جبناً ، ثمّ دعا بالغداء ، فتغدّينا [ معه ] ، وأتى بالجبن ف [ أكل و ] أكلنا ، فلمّا فرغنا [ من الغداء ] قلت : ما تقول في الجبن ؟ قال : أولم ترني آكله ؟ ! قلت : ولكن احبّ أن أسمعه منك ، فقال : سأخبرك عن الجبن وغيره ، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه » « 2 » . فإنّه ظاهر في إرادة حكم الجبن وغيره ممّا مثله ، ومقصوده بكون مثل الجبن فيه حلال ، أنّه يكون منه حلال ومنه حرام ، لا أنّ المقصود منه أنّه إذا كان جبنان أحدهما تعلم حرمته والآخر حلّيته فهو حلال . . . إلى آخره ، كلّا ، بل هو ظاهر فيما ذكرنا .
ج - ومثل ذلك رواية ضريس ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : عن السمن والجبن في أرض المشركين والروم ، أنأكله ؟ فقال : « ما علمت أنّه خلطه الحرام فلا تأكل ، وما لم تعلم فكله حتّى تعلم أنّه حرام » « 3 » .
د - وما نقل عن كتاب المحاسن عن أبي الجارود ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : عن الجبن ، فقلت : أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة ، فقال : « من أجل أنّه كان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض ؟ فما علمت منه أنّه ميتة فلا تأكله ، وما لم تعلم فاشتره وبعه وكُلْه ، واللَّه إنّي لأعترض السوق فاشتري منه اللحم والسمن والجبن ، واللَّه ما أظنّ كلّهم يسمّون ، هذه البريّة وهذا السودان » « 4 » . بل جميع هذه الروايات ظاهرة في المأخوذ من يد المسلمين ، والمشترى من أسواقهم ، والشُّبه الغير المحصورة ونحو ذلك ، فأين هذه الأخبار والاستدلال على نحو المقام ؟ ! والظاهر أنّ روايات الطهارة خارجة هذا المخرج ، أي بمعنى أنّ الشيء لا ينجس بمجرّد احتمال النجاسة ، وهذا كلام يقال مع عدم حضور الشبهة المحصورة في الذهن وخطورها بالبال ، بل المقصود أنّ الأشياء كلّها على الطهارة حتى تعرف عروض النجاسة .
هامش
( 1 ) الوسائل 17 : 89 ، ب 4 ممّا يكتسب به ، ح 4 .
( 2 ) الوسائل 25 : 118 ، ب 61 من الأطعمة المباحة ، ح 1 .
( 3 ) الوسائل 24 : 236 ، ب 64 من الأطعمة المحرّمة ، ح 1 مع اختلاف يسير .
( 4 ) المحاسن 2 : 296 ، ح 612 . الوسائل 25 : 119 ، ب 61 من الأطعمة المباحة ، ح 5 .