تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
. . . . . . . . . .
شرح
فإن قلت : إنّ قوله عليه السلام : « لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله » « 1 » شامل لمحلّ النزاع ، فإنّك نقضت اليقين - وإن كان سابقاً - بغير اليقين . قلت : لا يخفى أنّ معنى الحديث أنّك لا تنقض اليقين الذي لولا عروض هذا الشكّ لبقي على هذا المتيقّن ، وفيما نحن فيه ليس كذلك ؛ فإنّه لولا هذا الاشتباه لم يعلم كونه على هذا اليقين ؛ إذ قد يكون هو النجس . والحاصل : أنّ المعنى أنّ تيقّن الطهارة مثلًا إلى حصول الشكّ لا تنقضه بالشكّ ، بل ابقَ على مقتضى اليقين الأوّل إلى أن يجيئك يقين مثله ينقضه . لا يقال : إنّ ما ذكرت ليس أولى من أن يقال : إنّ معنى الرواية أنّه لا ينقض حكم اليقين الأوّل بسبب الشكّ ، بل هذا أولى ؛ إذ ليس المراد نقض اليقين نفسه ، بل المراد نقض حكمه ؛ ضرورة أنّ اليقين نفسه يرتفع بالشكّ . لأنّا نقول : إنّ هذا أيضاً لا ينافي ما ذكرنا ؛ وذلك لأنّا لا نريد بعدم نقض اليقين عدم ارتفاع نفس اليقين ، بل هو قد ارتفع قطعاً ، بل نريد عدم نقض الأحكام التي تترتّب على الموضوع بسببه ، لكن المعنى أنّك لا تنقض أحكام اليقين بكلّ ما يزيل اليقين إلّا بالمزيل الذي هو اليقين بالنقيض ، وأمّا باقي المزيلات له فلا تنقض أحكامه بها ، وهو ظاهر في أنّه لولا هذا المزيل لكان باقياً ؛ لأنّ الفرض أنّ نقضه إنّما كان به وهذا المعنى مفقود فيما نحن فيه ، لأنّه على تقدير فرض نفي الاشتباه لم يعلم أنّه الطاهر . على أنّه ربّما يدّعى ظهور قوله عليه السلام : « لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ » ، فيما شكّ في زوال وصفه نفسه ، لا فيما إذا اشتبه بالزائل ، فتأمّل جداً جيّداً . على أنّا إن قلنا بجريان الاستصحاب فيما ذكرنا - من بقاء التكليف باجتناب النجس هنا ، أي حال الاشتباه [ وشموله للإناءين ] - فهو قاطع للاستصحاب المذكور ؛ لأنّ الخطاب بالمجمل مع تيسّر الامتثال يقبّحون أهل العرف معه تناول أحدهما ويعدّونه في قسم العصاة ، وإلّا فكلّ مقدّمة لواجب هي مباح في نفسها أو مندوبة أو مكروهة أو غير ذلك . فلو فرضنا أنّ المقدّمة يعارضها استصحاب أو الإباحة نفسها ، لم تبق مقدّمة لواجب نقول بوجوبها . ومن هنا تعرف أنّ القسم الثاني - وهو الذي تقع في أحدهما النجاسة ولم يعلم في أيّهما - وإن قلنا بجريان الاستصحاب فيه ، لكن باب المقدّمة فيه فيقطعه ؛ لكونها من قسم الخطابات . نعم ، لا يتمّ ذلك إلّا على القول بعدم الوجوب [ للاجتناب ] فلا مقدّمة حينئذٍ ، لكن قد عرفت ما فيه وما في الاستدلال عليه بأصالة البراءة ونحوها . ومن المعلوم عدم جريان ما ذكرنا من الاستصحاب فيما لو كان أحد الإناءين بولًا والآخر ماء . فإن قلت : نحن لا نتمسّك في شيء من ذلك بالاستصحاب ولا بأصل البراءة ، بل نتمسّك فيما يرجع إلى الطهارة والنجاسة بقوله عليه السلام : « كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر » « 2 » ، وقوله عليه السلام : « كلّ ماء طاهر حتى تعلم أنّه نجس » « 3 » ، وفيما يرجع إلى الحلّ والحرمة بقوله عليه السلام : « كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » « 4 » . قلت : هو : 1 - مع كونه ليس جارياً في سائر الأشياء مثل الأنكحة ونحوها ممّا لا تجري فيه هذه العمومات .
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 245 ، ب 1 من نواقض الوضوء ، ح 1 ، وفيه : « ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ ، وإنّما تنقضه بيقين آخر » . ( 2 ) الوسائل 3 : 467 ، ب 37 من النجاسات ، ح 4 . ( 3 ) لم نعثر عليه بعينه ، وفي الوسائل 1 : 133 ، ب 1 من الماء المطلق ، ح 2 ، وفيه : « كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر » . ( 4 ) الوسائل 17 : 88 ، ب 4 ممّا يكتسب به ، ح 1 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 247 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي