. . . . . . . . . .
شرح
والإنصاف : أنّ الأخبار غير ظاهرة فيما كان زوال التغيير محتاجاً إلى أنقص من المقدّر ، بل إن لم تكن دالّة على العدم فلا أقلّ من عدم الدلالة ، فلا شاهد بها حينئذٍ ، على أنّها معارضة بأخبار نزح الجميع وغيرها .
وأمّا ما ذكره في المنتهى ، ففي الأوّل : أنّ دعوى [ كون ] العلّة [ هي ] التغيّر محل منع ، بل العلّة في النجاسة حاصلة قبله ، وكأنّ ذلك منه مبني على القول بطهارة البئر وعدم نجاستها إلّا بالتغيّر ، والكلام ليس فيه .
بل قد يقال : إنّ استصحاب النجاسة محكّم وإن كان منشأها التغيير ، ويكون حاله كحال الماء المحقون البالغ كرّاً إذا زال التغيير من قبل نفسه ، فإنّ الأصح بقاء النجاسة للاستصحاب ، وإن كان فيه بحث ليس هذا محلّه .
وفي الثاني : أنّه قياس لا نقول به ، وكأنّه ذكره رحمه الله على لسان العامّة ، أو أنّه اشتباه منه أنّه ليس بقياس ، أو يكون المراد منه أنّه عين الأوّل لكن بتقرير آخر ، أو غير ذلك .
وفي الثالث : منع أنّه عسر وحرج ، ولذلك جاء التعبّد به في كثير من مواضع النزح . وأيضاً لو سلّمنا كونه عسراً وحرجاً فلا يقضي بصحّة ما ادّعاه ، فإنّ هناك قولًا آخر وهو القول بأكثر الأمرين ، بل هو الأقوى كما ستسمع إن شاء اللَّه .
وفي الرابع : - مع كونه غير جارٍ فيما قوّيناه من الأكثر - أنّه لا تساوي عقلًا ولا شرعاً ولا عرفاً ، ولعلّ القائل بذلك مستند إلى أخبار زوال التغيير بنفسها ، إلّا أنّه خرج حالة الاختيار بدليل ، فبقيت حالة الاضطرار داخلة . وقوله : « إنّ القول بالتراوح عند الاضطرار قياس أحد المختلفين . . . إلى آخره » . فيه : ما عرفت أنّه ظاهر أخبار التراوح ، مع فهم الأصحاب جريانه في كلّ ما ينزح له الجميع وتعذّر لغلبته ، ولذلك أجروه فيما لا نصّ فيه بناءً على أنّه ينزح له الجميع ، فتأمّل .
وفي الخامس : أنّه لا تشبيه أوّلًا ، وقوله : « لأنّ له مادة » لا يقضي بذلك ، غايته استفادة المادة للجاري وللبئر منه ، وأين ذلك ممّا ذكر ! وثانياً : أنّه مبنيّ على القول بطهارة البئر إلّا بالتغيّر ، وفرض كلامنا على تقدير النجاسة ، فتأمّل .
الثاني من الأقوال : وجوب نزح أكثر الأمرين من المقدّر وما يزول به التغيير ، هذا في المنصوص الذي نصّه غير نزح الجميع . وأمّا فيه وفيما لا نصّ فيه فينزح الجميع ، ومع التعذّر فالتراوح ، كما عن ابني إدريس وزهرة والعلّامة في المختلف والشهيد الثاني في الروض « 1 » . وهو الأقوى ؛ جمعاً بين الأدلّة ، ضرورة عدم البحث فيه حيث يتساوى المقدّر وما به يزول التغيير ، أو إذا زاد ما زال به التغيير ، إنّما الكلام فيما إذا زاد المقدّر ، والمتّجه وجوبه ؛ لشمول دليله له المعتضد بالأصل ، وحصول التغيير لا يرفعه . وما دلّ على الاكتفاء بالنزح حتى يزول التغيير لا يقضي بطهارة البئر من كلّ جهة ، بل إن قضى فهو بالمفهوم المعارَض بما دلّ على وجوب المقدّر الظاهر في توقّف الطهارة عليه . بل ينبغي أن يجب تمام المقدّر بعد زوال التغيير - كما يظهر من بعضهم « 2 » - لولا ما يظهر من الأخبار أنّ المقصود زوال التغيير على أي وجه يكون ولو باستيفاء المقدّر . فإنّ قوله : « انزح حتى يزول التغيير » يصدق على نازح المقدّر أنّه نزح حتى زال التغيير ، والنيّة غير معتبرة ، فيتّجه حينئذٍ دعوى دخول الأقلّ هنا في الأكثر ؛ لأنّه ينحلّ عند التأمّل إلى أنّ موت الكلب في البئر مثلًا انزح له أربعين ، وإن تغيّرت البئر فأزل التغيير بنزح كائناً ما كان ، فإن أزلت التغيير بنزح المقدّر امتثلتهما قطعاً ، لكن لمّا كان في الغالب أنّ التغيير يحتاج إلى نزح أزيد من التقدير علّق الحكم على زواله ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 72 . الغنية : 48 . المختلف 1 : 190 . الروض : 143 .
( 2 ) نسبه في المقتصر ( 39 - 40 ) إلى المعتبر ، ولم نعثر عليه .