تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
. . . . . . . . . .
شرح
قلت : هو كلام جيد متّجه ، إلّا أنّ مقصود الشيخ أنّه باعتبار استقراء الأخبار الواردة في نزح البئر يستفاد قصد جعله مميّزاً جارياً مجرى تمييز العدد ، فإن تمّ ذلك كان الحقّ مع الشيخ ، وإلّا كان الحقّ مع المحقّق ، والظاهر تمامه . ومثله يلتزم في باب الإقرار حيث يعلم من قصد المقرّ جعل ما ذكر تمييزاً مصطلحاً ، كما فرّعوا على ذلك فروعاً كثيرة من جهة الإعراب والجمعية والإفراد ونحوهما . فمثلًا إذا قال القائل : « له عليّ درهماً » - بالإفراد والنصب - يلتزم بأحد عشر ؛ لأنّه أقلّ عدد يصلح لأن يكون هذا مميّزاً له ، فلاحظ وتأمّل . إلّا أنّه قد عرفت من ذلك أنّه ليس مقصود المحقّق الإطلاق من حيث هو ، فلا يتّجه ردّ صاحب المدارك على العلّامة ، وكذلك قول العلّامة في ردّه : « إنّ فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة » « 1 » ؛ لعدم العلم بها فضلًا عن التأخير عنها ، والأصول لا تفيد ذلك . على أنّه وارد عليه نفسه ؛ لصلاحية كون هذا الجمع [ « دلاء » ] مميزاً للثلاثة إلى العشرة ، وتعيين ذلك بالمقدّمة ليس بأولى من ارتكاب شيء آخر لأجل المقدّمة يوافق قول المحقّق رحمه الله من نزح الجميع أو غيره . وكأنّ مراد العلّامة بالأقلّ [ في قوله : « أقلّ ما يصلح » ] الأكثر ، كما عن بعض نسخ المنتهى . وقد عرفت أنّ أصالة البراءة لا يمكن التمسّك بها هنا ؛ لوجوب الاحتياط ، فلا يرد حينئذٍ عليه ما في المدارك [ من عدم تعيّن العشرة ] . بل قد يظهر من المنتهى تعيين إرادة العشرة هنا من وجه آخر ، وهو : أنّ لفظ « دلاء » جمع كثرة ، وأقلّ أفراده العشرة ، فيحصل الامتثال . كما لعلّه ظاهر المحكيّ عنه في المختلف 2 ، وإن عبّر بأنّ أقل أفراده ما زاد على العشرة ، فإنّ مقصوده العشرة فما زاد . لكن فيه : 1 - مع ما عرفت من أنّه لا فرق بين جمع القلّة والكثرة في ذلك . 2 - أنّه موقوف على كون العشرة من أفراده ، فإنّ الظاهر - على ما في بالي من عبارة المصرّح بالفرق - : أنّ العشرة منتهى أفراد جمع القلّة ، وأنّه لا يصدق عليها جمع الكثرة ، وأنّ بينهما تبايناً ، لا عموماً وخصوصاً من وجه . 3 - على أنّ في كون « دلاء » جمع كثرة كلاماً وإن أمكن تأييده بقوله : « يسيرة » ، فتأمّل . وأمّا ما نقل عن المفيد « 3 » من الخمس دلاء ، فلم نعثر له على شاهد كما اعترف به بعضهم 4 ، وقد يكون أخذه من جهة أنّ « دلاء » جمع قلّة ومنتهى أفراده العشرة ، وقد قيّده الإمام عليه السلام ب‍ « اليسيرة » في ذلك ، والمتيقّن من « اليسيرة » بالنسبة إلى ذلك النصف ، وهو الخمس . لكنّه - كما ترى - شكّ في شكّ . كالمحكي عن المرتضى رحمه الله من أنّه ينزح للدم من دلو واحد إلى العشرين « 5 » من غير تفصيل ؛ إذ هو - على احتماله إلّا على وجه ضعيف جدّاً - لم نعرف له مستنداً ، ولا يوافقه قول الصادق عليه السلام في خبر زرارة : « في القطرة من الدم ينزح عشرون » « 6 » . ولمكان كون هذه الرواية مخالفة لما عليه الأصحاب أمكن حملها على الاستحباب ، وإن لم نعثر على قائل به . نعم ، نقل عن المقنع أنّه قال : « وإن قطر في البئر قطرات من دم فاستق منها عشر أدلٍ » ، ثمّ [ قال : ] « إن وقع في البئر قطرة « 7 » أو خمر أو ميتة أو لحم خنزير فانزح منها عشرين دلواً » « 8 » وهو مضمون خبر زرارة .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 المنتهى 1 : 81 . المختلف 1 : 199 . ( 3 ) 3 ، 4 المقنعة : 67 . كشف اللثام 1 : 336 . ( 5 ) حكاه في المعتبر 1 : 65 . ( 6 ) الوسائل 1 : 179 ، ب 15 من الماء المطلق ، ح 3 ، نقلًا بالمعنى . ( 7 ) في الجواهر زيادة : « من بول أو » . ( 8 ) المقنع : 34 .