. . . . . . . . . .
شرح
وأمّا الرواية الثالثة [ « إذا أتيت البئر وأنت جنب . . . » ] ، فأوّلًا : أنّ الأمر بالتيمّم لا دلالة فيه على التنجيس بالاغتسال ، فإنّه لا ينحصر وجهه في ذلك ؛ إذ قد يكون البئر كانت مملوكة أو كان في الاغتسال فيها عسر وحرج ومشقة . وربّما يؤيّد ذلك ما في رواية الحسين بن أبي العلاء ، قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يمرّ بالركية وليس معه [ إناء ] « 1 » ؟ قال : « ليس عليه أن ينزل الركية ، إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد ، فليتيمّم » « 2 » . [ وثانياً ] : مع أنّه لا تعرّض فيه للنجاسة ، وقوله عليه السلام : « لا تفسد على القوم ماءهم » لا دلالة فيه على ذلك :
أ - فقد يكون المراد من جهة خوف الهلاك فيها [ في البئر ] .
ب - أو أنّه يهيج ما كان كامناً فيها من الأوساخ .
ج - بل غير بعيد أنّها على فرض كونها مباحة وكانت مستقى للناس ، وكان بالاغتسال فيها يهيج بعض ما كان كامناً فيها ، أن لا يسوغ له الاغتسال فيها ؛ لكون ذلك حقّاً مشتركاً ، فيجوز له استعماله ما لم يدخل في ذلك فيه ضرر على غيره ، لا سيّما إذا كان المقصود منها الاستقاء .
د - على أنّه قد يكون المراد من جهة وجوب النزح لا من جهة النجاسة .
ه - على أنّه لم يعلم أنّه كانت على بدنه نجاسة .
فإن قلت : إنّ الإفساد كما ورد في هذه الرواية وجد في روايات التنجيس ، فأيّ معنى لحمله هناك له على النجاسة بخلافه هنا ؟ !
قلت : هو - مع أنّه في نفسه هناك ظاهر في ذلك - قد يشعر به [ بإرادة النجاسة ] الاستثناء [ « لا يفسده شيء إلّا أنّ يتغيّر » ] ووقوع « شيء » في سياق النفي ، بخلافه هنا .
و - على أنّه كيف يسوغ لفقيه الاجتراء على طرح تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة المخالفة للعامّة ، الموافقة للُاصول ، المرجَّحة بما سمعته من المرجّحات ؛ بمثل هذه الإشعارات التي لا يجترئ منها على أن يقطع بها أضعف الأصول ؟ !
وأمّا الرواية الرابعة [ « قلنا له : بئر . . . » ] ، فلا دلالة فيها [ على النجاسة ] ، وسيأتي التعرّض لها إن شاء اللَّه عند [ بيان مقدار ] التباعد بين البئر والبالوعة . نعم ، أقوى شيء لهم الإجماعات المنقولة ، وهي :
1 - مع كون المخالف موجوداً ومن القدماء أيضاً .
2 - وإطباق متأخّري المتأخّرين على ذلك .
3 - مع مخالفتها لما سمعت من الأخبار .
4 - يضعف الظنّ بها ؛ لقوة الأخبار عليها من وجوه .
5 - على أنّ العلّامة في المنتهى « 3 » يظهر منه المناقشة في نسبته إلى الأكثر ، فضلًا عن الإجماع ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) في المصدر : « دلو » .
( 2 ) الوسائل 3 : 344 ، ب 3 من التيمّم ، ح 4 ، وفيه : « هو ربّ الأرض » .
( 3 ) المنتهى 1 : 67 .