. . . . . . . . . .
شرح
نعم ، يبقى كلام في أنّ النازح تطهر ثيابه ونحوها أو خصوص ما يباشر به ، وهل يعتبر استمراره على النزح إلى التمام أو لا ؟
فمن جاء في الأثناء حكمه حكم النازح في الابتداء ؟ ونحو ذلك من الأحكام الكثيرة والفروع المهمّة بناءً على التنجيس . مع أنّه ليس في الأخبار لها عين وأثر . حتى أنّ ما ذكرنا من طهارة الدلو والحبل والنازح وحواشي البئر ونحو ذلك مجرّد استظهار ليس في الأخبار له تعرّض ، بل هو شكّ في شكّ . وكلّ ذلك دليل على عدم التنجيس ، وإلّا لما ترك في هذه الأخبار على كثرتها بيان مثل هذه الأمور المهمّة .
وكيف كان ، فلا ينبغي الشكّ في أنّ الترجيح لأخبار الطهارة ، فوجب حينئذٍ طرح تلك الأخبار أو حملها على خلاف ظاهرها .
فنقول : أمّا مكاتبة ابن بزيع « 1 » فعلى أنّ المراد من الطهارة مطلق النظافة والنزاهة . وهو بعيد ؛ لأنّ مثل ذلك لا ينحصر 1 / 200 / 387
الرجوع فيه إلى الإمام عليه السلام بحيث لا يعرفه أحد سواه حتى يكتب له من بلاد إلى بلاد .
أ - نعم ، يحتمل أن يقال : إنّها إنّما تدلّ [ على مجرّد النزاهة ] على القول بأنّ النزح تعبّد ، وذلك لأنّه قال فيها : « ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة » ، وكأنّ قوله : « حتى » إشارة إلى ذلك ؛ لأنّ المعنى حينئذٍ : ما الذي يطهّرها طهارة تحلّ الوضوء منها للصلاة ، فيكون كأنّ أصل وجود الطهارة عنده [ السائل ] محقّق ، لكن إشكاله في الطهارة التي يترتّب عليها مثل الوضوء .
ب - أو يقال : إنّ ذلك [ قوله : « يطهّرها » ] في كلام السائل لا في كلامه عليه السلام ، وكما يمكن تقديره في كلام الإمام عليه السلام بأن يقال : يطهّرها نزح دلاء كذلك يمكن أن يقال : إنّه لمّا سئل عن هذه الأشياء قال عليه السلام : « ينزح منها دلاء » ، وأضرب عن قول السائل :
« يطهّرها » ، فيكون حينئذٍ هذا الخبر كالأخبار الاخر الآمرة بالنزح . وممّا يؤيّد أنّ هذه الرواية ليست على ظاهرها هو أنّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع - راوي هذه الرواية - قد روى تلك الرواية الواضحة الدلالة التي لا تقبل التأويل وهي قوله عليه السلام : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر طعمه أو ريحه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ؛ لأنّ له مادة » « 2 » ، مع أنّه لم يظهر منه [ من ابن بزيع ] التوقّف في الحكم من جهة التناقض والتعارض .
وأمّا الرواية الثانية وهي قوله : « يجزيك أن تنزح منها دلاء ؛ فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء اللَّه » « 3 » فقد احتمل فيها أيضاً حمل الطهارة على المعنى اللغوي . وربّما ايّد - هنا - بأنّ « دلاء » أقلّه ثلاثة ، مع أنّه من جملة المسؤول عنه الكلب والهرّة ، والفتوى عندهم في ذلك أربعون دلواً .
ولا يبعد حمل هذه الرواية والتي قبلها على إرادة الطهارة ممّا يكره استعماله ؛ وذلك لأنّه لمّا كان النجس يحرم استعماله وهذا يكره استعماله شارك النجس في ذلك ، فصحّ إطلاق لفظ الطهارة عليه ، ولفظ الحلّ الذي ليس معه الكراهة .
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 176 ، ب 14 من الماء المطلق ، ح 21 .
( 2 ) المصدر السابق : 172 ، ح 6 .
( 3 ) الوسائل 1 : 182 ، ب 17 من الماء المطلق ، ح 2 .