تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨

[ هل التحديد على التحقيق أو التقريب ؟ ] :

نعم ، هنا بحث آخر : وهو أنّ التحديد بالأشبار أو الوزن - على المشهور وغيره - هل هو على التحقيق أو التقريب ، فمتى نقص منه قليل لا يقدح في كونه كرّاً ؟ الظاهر الأوّل ( 1 ) . ثمّ إنّه لو كان هناك ما اختبر بالوزن فبلغ المقدار المعلوم ولكنّه بالمساحة لا يبلغ وبالعكس ، فهل تجري عليه أحكام الكرّية أو لا ؟ والظاهر أنّ المساحة على المشهور تزيد على الوزن في المشهور فما معنى هذا التقدير ؟ وما يصنع بالزيادة ؟ على الاستحباب أو غيره ؟ ( 2 ) . والظاهر أنّه مبني تقديره بهما على التقريب لا على التحقيق ، وإن كان بعد تقدير التقريب بذلك صار تحقيقاً لا ينقص منه شيء ، فيكون تحقيقاً في تقريب . فلا يقدح هذا التفاوت بينهما [ بين المساحة والوزن ] . وحينئذٍ يكون عدمهما علامة على عدم الكرّ [ ية ] ، كما أنّ وجود أحدهما دليل عليها ، وأنّ خاصية الوزن لما نقص عنه بالوزن ، والمساحة للمساحة ، لا المساحة للوزن ، ولا العكس ( 3 ) ، ويكفي في تحقّق الكرّ وجود أحدهما ( 4 ) .
شرح
( 1 ) لتعليق الحكم فيه على هذا المقدار ، فلا تسامح فيه . ودعوى احتمال الصدق مع النقصان ، يدفعه أنّه من المسامحات العرفية لا من الحقائق . لا يقال : إنّ هذا التقريب ربّما يكون وجه جمع بين رواية أبي بصير التي هي دليل المشهور ، وبين صحيحة إسماعيل بن جابر . لأنّا نقول : على تقدير التقريب لا يتسامح في مثل هذا المقدار ، فإنّ التفاوت سبعة أشبار إلّا ثمن . ومثل الاحتمال المتقدّم سابقاً احتمال القول بأنّ هذا الاختلاف في الأخبار من جهة اختلاف المياه في الصفاء وعدمه ، فإذا كان الماء صافياً ليس فيه شيء يكون مقدار الكرّ سبعة وعشرين ، بخلاف غيره فيقدّر بالتقديرين الآخرين ؛ للاختلاف شدّة وضعفاً . وأنت خبير أنّ ذلك كلّه تصرّف من غير إذن المالك . ( 2 ) والتحقيق في المقام أن يقال : قد علمت أنّ الكرّ مكيال معروف ، إلّا أنّه لمّا كان غير موجود في كلّ وقت ، أو لأنّه خشي أن يجهل حاله مع احتياج الناس لمعرفة الكرّ ؛ لكثرة أسفارهم وعوارضهم ، بل هم محتاجون إلى ذلك في الحضر ، أراد الشارع ضبطه بالوزن لكونه الأصل وبالمساحة تسهيلًا للخلق . ( 3 ) فيكون مفهوم كلّ من الروايتين [ في الوزن والمساحة ] معارضاً بالأخرى فيسقطان ، فيبقى منطوقهما سالماً . ( 4 ) وبعبارة أخرى : هنا كرّان وزنيّ ومساحيّ ، فلا ينافي نقصان أحدهما عن الآخر ؛ إذ ما نقص في الوزن وبلغ في المساحة كرّ مساحيّ لا وزنيّ وبالعكس ، فإنّ أحدهما غير الآخر ، فليس الزيادة محمولة على الاستحباب . لكن قد يشكل بأنّه لا داعي إلى هذا التقدير المختلف بعد علمه [ الشارع ] بنقص الوزن عن المساحة دائماً ، مع القدرة على ضابط بغير ذلك منطبق عليه . ويدفع : أوّلًا : بأنّ دعوى علم النبيّ والأئمّة عليهم السلام بذلك ممنوعة ، ولا غضاضة ؛ لأنّ علمهم عليهم السلام ليس كعلم الخالق عزّ وجلّ ، فقد يكون قدّروه بأذهانهم الشريفة وأجرى اللَّه الحكم عليه . وثانياً : بأنّه لا يمكن ضبط مساحة تنطبق على الوزن دائماً أو بالعكس ؛ لاختلاف المياه ثقلًا وخفّة دائماً ، ومن اختبر ذلك وجد ما قلنا ، فتارة يزيد الوزن وأخرى بالعكس ؛ فقد يكون الشارع أخذ مقداراً جامعاً ، وهو هذا التقدير ، واللَّه أعلم بحقيقة الحال .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 158 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي