. . . . . . . . . .
شرح
وكيف ! والاستدلال بهذه الرواية على عدم الاكتفاء بالظنّ [ في نجاسة القليل بالملاقاة ] مبني على حجّية ظنّ المجتهد الحاصل من الأخبار فيتحقّق التعارض [ بينهما ] ، والترجيح لما ذكرنا ؛ لاستفادته من الأدلّة الكثيرة .
وأمّا الرواية التي ادّعى ابن أبي عقيل تواترها [ « إنّ الماء طاهر . . . » ] فهي :
1 - مع أنّا لم نقف عليها بعد التتبّع التامّ في شيء من كتب الأخبار .
2 - وكيف يقبل منه هذا النقل مع تبيّن خلافه بما سمعت من الأخبار الكثيرة الصحيحة ؟ بل ربّما نقل عن بعضهم : أنّه عثر على ثلاثمائة خبر تقريباً يدلّ على النجاسة .
3 - مع ما عرفت من اشتهار العمل بين قدماء الصحابة القريبين إلى عهد الأئمّة عليهم السلام ومتأخريهم ، وابن إدريس « 1 » نقل عن المؤالف والمخالف رواية قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا كان الماء قدر كرٍّ لم يحمل خبثاً » « 2 » عند الكلام على طهارة الماء النجس بإتمامه كرّاً .
4 - وما سمعت من الإجماعات المنقولة ، إلى غير ذلك من الأدلّة والشواهد .
5 - هي قابلة للتخصيص [ بأدلّة انفعال القليل ] ؛ لظهور إرادة التواتر اللفظي ، وإلّا فقد عرفت ما فيه ؛ فإنّ نقل التواتر لا يزيد على نقل الإجماع ، وهو مع ما عرفت لا ينبغي أن يصغى إليه .
6 - ووجود هذه الرواية مرسلة في بعض الكتب لا يقضي بما ادّعاه ، كنقل بعض العامّة لما يقرب منها عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما قيل « 3 » .
نعم ، في السرائر « 4 » جعل من المتّفق على روايته قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « خلق اللَّه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته » « 5 » .
وفيه : - مع إمكان المنع - أنّه مخصّص بما عرفت من نقله الأوّل ، وادّعائه إجماع المخالف والمؤالف على رواية : « إذا كان الماء قدر كرٍّ لم يحمل خبثاً » .
وأمّا مصحّحة ابن حمران ، فهي لم تدلّ على أزيد من تشبيه التراب بالماء في الطهورية ، وهو لا يقتضي عدم قبول الماء الانفعال .
والحاصل : أنّ كثيراً من هذه الروايات مع الغضّ عمّا في أسانيدها لا دلالة فيها إلّا من جهة الإطلاق أو ترك الاستفصال ، وهو لا يعارض ما ذكرنا ، بل كثير منها ظاهر في كون الماء كثيراً ، مثل الأخبار الواردة في الغدران والماء النقيع والحياض ونحو ذلك ، كما يقتضيه شرب الدوابّ وأبوالها ، وعدم تغيّرها بالميتة والجيف ، والأمر بالوضوء من الجانب الآخر ، ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 63 ، وفيه : « إذا بلغ الماء كرّاً » .
( 2 ) المستدرك 1 : 198 ، ب 9 من الماء المطلق ، ح 6 ، وفيه : « إذا بلغ الماء كرّاً » .
( 3 ) المعتبر 1 : 40 .
( 4 ) السرائر 1 : 64 .
( 5 ) الوسائل 1 : 135 ، ب 1 من الماء المطلق ، ح 9 .