. . . . . . . . . .
شرح
ب - ومع كون استصحاب طهارة الملاقي للماء القليل الملاقي للنجاسة لا يفيد طهارة بالنسبة للماء . والتتميم بعدم القول بالفصل [ بين الماء وبين ملاقيه ] - مع كونه لا معنى له ؛ لكونه ليس قولًا بالطهارة في بعض دون بعض ، بل إنّما ساغ الشرب مثلًا ولبس الثوب الملاقي في الصلاة لعدم العلم بالنجاسة لا للعلم بالطهارة - خروج عن الاستدلال بالأصول . فلم يبق إلّا استصحاب طهارة الماء نفسه - على القول بجريانه في قدح العارض - وأصالة الطهارة ، فإنّه لا يعارضه شغل الذمّة ويقتضي طهارة الماء .
ج - لا تعارض ما سمعت من الإجماعات والأخبار الكثيرة التي كادت تكون متواترة ، بل هي متواترة ، وما يستفاد من القاعدة في نجاسة كلّ ما تلاقيه هذه النجاسات مع الرطوبة .
[ ثانياً ] : وأمّا الآيات ، فهي :
أ - مع إمكان منع كون كلّ الماء منزلًا من السماء ، وما ذكر من الآية وتفسيرها معارض بغيره .
ب - [ و ] مع أنّ احتمال ذلك لا يقتضي حمل اللفظ [ أي الماء ] عليه ، وإن كان متبادراً في غيره كماء المطر . ولعلّ التعليل بقوله تعالى :( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً )« 1 » يقضي به كما نقل عن البيضاوي « 2 » .
ويؤيّده : أنّه ورد في سبب نزول الثانية [( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ . . . )] أنّ المسلمين نزلوا في غزوة بدر في كثيب وقد غلب المشركون على الماء واتّفق أنّه احتلم في تلك الليلة كثير من المسلمين ، وقد وقع بسبب ذلك وسواس في قلوب بعضهم ، فأنزل اللَّه مطراً في تلك الليلة حتى جرى الوادي وتلبّد الرمل الذي بينهم وبين العدو حتى يثبت الأقدام ، وذلك قوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ )« 3 » .
ج - لا تقضي إلّا بثبوت هذه الصفة [ أي الطهورية ] للماء المنزل من السماء إمّا في الجملة أو حين الإنزال ، كما هو الظاهر من قولك : ضربت رجلًا راكباً ، فإنّه ظاهر في أنّ الركوب حال الضرب لا حال الإخبار . والتمسّك على دوامه بثبوته رجوع للتمسّك بالاستصحاب ، وقد عرفت ما فيه .
د - وقوله تعالى :( فَلَمْ تَجِدُوا . . . ) *« 4 » إلى آخره .
1 - مع كون الظاهر من إطلاقها أنّه غير مساق لشمول مثل هذا [ القليل الملاقي للنجاسة ] .
2 - لا ريب في أنّ المراد منها - كما بيّن في محلّه - من لم يقدروا على استعمال الماء عقلًا أو شرعاً ، ودخول ما نحن فيه تحت القدرة محلّ الكلام ، فهي لا تفيد ما نحن فيه .
3 - على أنّه قد عرفت بالأدلّة المتقدّمة أنّ واجد الماء القليل غير واجد للماء ، فيكون كواجد المغصوب والمتغيّر ونحو ذلك ، والرجوع إلى الأصل ونحو ذلك خروج عن الاستدلال [ بالآية ] .
هامش
( 1 ) الفرقان : 49 .
( 2 ) تفسير البيضاوي 2 : 143 - 144 .
( 3 ) الأنفال : 11 .
( 4 ) النساء : 43 . المائدة : 6 .