. . . . . . . . . .
شرح
[ ثالثاً ] : وأمّا الأخبار ، فإنّها فاقدة لما تحتاج إليه من الجابر :
أ - لقصور سند كثير منها أو دلالته ، وربّما جمع بعضها الأمرين .
ب - بل الوهن متطرّق إليها بما عرفت من إعراض الأصحاب عنها ونقل الإجماعات على خلافها .
ج - مع أنّ كثيراً منها - مع ظهوره في الماء الكثير - إنّما دلالته بترك الاستفصال الذي لا تعارض ما ذكرنا من الأدلّة [ الدالّة على الانفعال بالملاقاة ] .
د - مع أنّ الأوّل [ وهو قوله : « الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر » ] :
1 - في مجهول الموضوع لا مجهول الحكم .
وما يقال : من رجوع الأوّل إلى الثاني فلا يبقى موضوع للخبر ، تكلّف وتعسّف غير مجدٍ ؛ بعد ظهور المقصود وامتياز كلّ من القسمين عن الآخر بجهل الحكم في الثاني ابتداءً وأصلًا بخلاف الأوّل ، ولا يكاد يخفى الفرق بين وقوع الشكّ في طهارة نطفة الغنم مثلًا وبين الشكّ في عروض النجاسة لمعلوم الطهارة .
وما يقال : إنّ المنجِّس هنا عارض قطعاً [ على القليل ] إلّا أنّ الشكّ وقع في تنجيسه ، ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه ؛ لأنّ ثبوت تنجيسه في الجملة غير مجدٍ ، إنّما الكلام في تنجيسه في المقام وهو شكّ في الحكم عند الشارع . والحاصل : فرق بين وقوع الشكّ في حصول التنجيس عند الشارع بسبب المباشرة لبعض الأشياء ، وبين وقوع الشكّ في عروض ما يعلم ثبوت التنجيس بعد العلم بمباشرته ، والدليل إنّما هو ظاهر في الثاني وعدم الالتفات إلى الشكّ ، دون الأوّل .
2 - وعلى تقدير التسليم فنقول : إنّ العلم حاصل في المقام قطعاً [ بانفعال القليل بالملاقاة ] لما سمعت من الأخبار المتواترة ، مع القاعدة المتقدّمة في النجاسات [ من نجاسة كلّ ما تلاقيه مع الرطوبة ] مع الإجماعات المنقولة ، بل يحصل من ملاحظتها الإجماع المحصّل .
3 - وعلى تقدير التسليم فنقول : إنّه يكفي حصول الظنّ للمجتهد من الأدلّة ، ويقوم مقام العلم كالظنّ المستند إلى الدليل الشرعي في الموضوعات من البيّنة ونحوها ، فما دلّ على كبرى الشكل في ظنّ المجتهد شامل لمثل المقام .
لا يقال : إنّ بينهما [ بين أدلّة حجّية ظنّ المجتهد وبين قوله عليه السلام : « الماء كلّه طاهر » ] تعارض العموم من وجه .
لأنّا نقول : لا يخفى على الممارس المتتبّع الخبير الماهر القطع بعموم حجّية ظنّ المجتهد في سائر الأحكام من غير استثناء للمقام وغيره . وكيف ! وسائر أحكام الطهارة والنجاسة في غير المقام مبنيّة على ظنّه في أصل ثبوت النجاسة والتنجيس ، ولم يسمع من أحد المناقشة في ذلك ، بل لو ادّعاه مدّع لُانكر عليه غاية الإنكار ، والفقه من أوّله إلى آخره مبني على ذلك .
نعم ، ربّما وقع من بعضهم المناقشة في المقام الأوّل - أي عروض النجاسة لمعلوم الطهارة - في الاكتفاء بخبر العدل ونحوه ، مع أنّ الظاهر عدمه .
وأمّا في المقام الثاني [ أي الشبهة الحكمية ] : فلم يعثر على مناقش فيه [ في حجّية ظنّ المجتهد ] ، فإنّه لا يكاد يسمع - ممّن يعمل بأخبار الآحاد أنّه لو جاء خبر صحيح السند في نجاسة موضوعٍ - الحكمُ بعدم النجاسة لكونه لا يفيد اليقين . إنّ ذلك من المكابرات التي لا يصغى إليها .