فاعلم ، أنّ الواهب إذا أوجب الهبة وشرط العوض وقبل المتّهب ، وقبض الموهوب ، وعمل بمقتضى الشرط ، فيصير العقد لازما من جانب الواهب والمتّهب كليهما ، ولا يجوز لأحدهما الرجوع إلى ما كان سابقا .
ويدلّ عليه - مضافا إلى الإجماع - عموم مثل قوله تعالى :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 1 » وسواء جعلنا العقد شيئا واحدا مشتملا على نقلين وانتقالين ، أو قلنا بأنّ الهبة الأولى عقد والتعويض أيضا عقد ؛ لأنّه عبارة عن نقل المشروط إلى المشروط له بقصد العوضية ، وقبول المشروط له كذلك بالمعنى الذي ذكرنا في القبول .
وأمّا الاستدلال بالرواية الدالّة على لزوم الهبة المثاب عليها « 2 » : فإنّما يتمّ في الهبة الأولى ؛ لصدق الهبة المثاب عليها بلا إشكال .
وأمّا في التعويض : فلا يتمّ إذا كان العوض غير هبة .
وأمّا إذا كان هبة : ففي صدقها عليها خفاء أيضا ؛ لأنّ المتبادر من المثاب عليها تأخّر الثواب عنها ، والمفروض تقدّم الثواب حينئذ ، إلّا أن يقال : إنّ قبول الواهب الأوّل لها بقصد العوضية يجعل الهبة الأولى عوضا عنها بعد القبول .
هذا كلّه إذا تحقّقت الهبة الأولى والتعويض معا .
وأمّا إذا تحقّقت الأولى ولم تتحقّق الثانية بعد : فالواهب الأوّل بالخيار ؛ لعدم تحقّق المثاب عليها بعد ؛ لعدم تحقّق الثواب وصدقه إلّا بالقبض ، فالأخبار الدالّة على لزوم غير هبة ذي الرحم والمثاب عليها تشمله ، وهي مخصّصة لعموم
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 3 » ولا يجبر الموهوب على دفع العوض ، بل هو مخير بين ردّ الموهوب ودفع المشترط .
هامش
( 1 ) . المائدة : 1 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام 9 : 158 ، ح 650 ؛ الاستبصار 4 : 108 ، ح 414 ؛ وسائل الشيعة 13 : 338 ، أبواب أحكام الهبات ، ب 6 ، ح 1 .
( 3 ) . المائدة : 1 .